عادل السيوى: كل جماعات العنف إلى زوال.. والتجديد ضرورة مُلحة
عادل السيوى: كل جماعات العنف إلى زوال.. والتجديد ضرورة مُلحة

حين دخل كلية الطب كان ذلك إرضاءً لعائلته، وليس عن قناعة منه، كان يعلم تمامًا أن أذنيه لم تخلقا لحمل السماعة والتجسس المباح على نبض الصدور، ويعلم أن له مهمة أخرى مع الجسد، لكن ليس كطبيب بل فنان تشكيلى، استطاع أن يترجم إيقاعات الجسد البشرى إلى لوحات بصرية فى غاية الروعة.
هو الفنان التشكيلى الكبير عادل السيوى، الذى تخرج فى كلية الطب، وحمل على كتفه ذلك اللقب، الذى أرادت الأسرة منحه إياه «الدكتور»، ثم سرعان ما طاوع السيوى الفنان المرابض فى روحه، ورحل من عالم الطب إلى جزيرة الرسم، وقرر السفر إلى أوروبا والبقاء فيها ١٠ سنوات، درس خلالها فن الرسم.
«الدستور» استضافته فى ندوة، أمسك خلالها «فرشاة الزمان» ليرسم بها حكاياته مع عالم الطب والرسم والحيوان، فى رحلة تمتد لأكثر من ٣ عقود، مكونًا بتلك الحكايات جدارية عن حياة «الفنان الطبيب».. ونعرض فيما يلى من سطور، ما قاله نصًا خلال الندوة.

عبدالمنعم أبوالفتوح أغلق لنا جمعية فنون لتحويلها إلى مكتب تحفيظ قرآن
بدأت الرسم فى السنة الثالثة بكلية الطب، وبعد أعوام من التخرج، وبالتحديد فى ١٩٨٠، افتتحت معرضى الأول، بحضور الفنان الكبير «راغب عياد»، ورغم افتتاح ذلك المعرض، إلا أننى استشعرت وجود ما ينقصنى، لذا قررت السفر إلى إيطاليا للتوسع فى دراسة الفن.
وأتذكر أننى عندما كنت طالبًا فى كلية الطب عام ١٩٧٣، ترأست جمعية للفنون فى الكلية، وكان عبد المنعم أبوالفتوح رئيسًا لاتحاد الطلاب آنذاك، وحدث أن أغلق لنا الجمعية لتحويلها إلى صالة تحفيظ قرآن، فقلت له وقتها: «لديكم مسجدان.. احفظوا القرآن فيهما»، فرد علىّ «أبوالفتوح» بقوله: «من الممكن أن نقيم لكم معرضًا سنويًا، وبالتالى لن تكونوا خسرتم كل شىء».. هذه هى شخصية عبدالمنعم أبوالفتوح: لا يخسر بالكامل ولا يكسب بالكامل، دائمًا ما يستطيع إيجاد حلول. وتفسيرى لموقفه هذا، أن الجزء المتشدد فى شخصيته دائمًا ما يضغط عليه، أما ما يتعلق بنظرته للحياة فهو يريد أن يستمتع بها أيضًا ويضعها فى منطقة أخرى، وهو «متأرجح» بين هذا وذاك.
ومن المواقف التى تعجبت منها، حين وجدته فى عزاء الكاتب الكبير نجيب محفوظ، رغم أن الجماعات الإسلامية ترى أن «أديب نوبل» ملحد، وهناك من أمر بقتله، فقلت له: «إيه اللى جابك العزاء؟»، فكان رده: «أنا بحترم نجيب جدًا جدًا.. ونشأت على كتاباته».
ولعل موقف «أبوالفتوح» مع جمعية الفنون فى الجامعة، يأخذنى للحديث عن علاقة فن التصوير والتجسيد والرسم بالإسلام، وظهور بعض فتاوى تحريمه، وهنا أتذكر موقف الشيخ محمد عبده حين أفتى بأن تعلم الفن جائز.
وسبب هذه الفتوى عندما حاول الفنان يوسف كمال تعليم الناس الفن، فوجد الكثيرين يحذرونه: «المتدينون سيعلنون عليك الحرب وسيتهمونك بالزندقة»، وهو ما جعله يفكر فى حديثهم ويتجه لوقف مشروعه، إلا أن محمد محمود خليل أخبره بأنه سيتوجه للمفتى لسؤاله، وبالفعل، توجه إلى الإمام محمد عبده، وعرض الأمر عليه، فقال رده الشهير: «إننا ديوان لكلمات، والفن ديوان هيئات، وجاء الوقت أن نفتح الكلمات على الهيئات».
الإسلام لم يأخذ موقفًا حاسمًا من التصوير، على عكس اليهودية، التى لها موقف حاسم ضد «الأيقونة»، لرغبتهم فى التخلص من الديانة المصرية الأيقونية، فضلًا عن مخاوفهم من فكرة تجسيد الروح فى الصورة.
أعود إلى مسيرتى فى إيطاليا، التى سافرت إليها بعد ترك عملى فى مستشفى العباسية للأمراض العقلية، ظللت ١٠ سنوات، كانت ٥ أعوام منها بمثابة عذاب كامل، فقد عملت على توفير مصدر دخل لتلبية احتياجاتى، بالتزامن مع دراستى للفن. والتقيت هناك بجيل ١٩٦٨ من المهمومين بالحرب والسلام معًا، الذين نجحوا فى تغيير نظرتى للأمور برؤية متسعة، من خلال بعض الأسئلة عن ماهية الحياة. الإيطاليون كانوا يرون فى تلك الفترة أن أعمالى أصغر منى، وأنى تعلمت الرسم فى القاهرة ببطء، إلا أننى حاولت مواكبتهم فى تلك السنوات، حتى عدت إلى القاهرة لافتتاح معرضى الثانى عام ١٩٨٥، وهو المعرض الذى رآه البعض مختلفًا عن سابقه. وخلال عملى فى القاهرة، قررت التركيز فى أعمالى على المدينة والوجوه، وعكفت على تشكيلها فى أعمالى لمدة طويلة حتى عرفنى العالم بالوجوه، لمِا أفردته من مساحات لها ذات خصوصية، ثم انتقلت لـ«البورتريه» فرسمت شادية ومحمد فوزى وغيرهما من النجوم، وشاركت بتلك الأعمال فى معرض بعنوان «نجوم عمرى». بعدها شاركت فى عدد كبير من البيناليهات (المعارض الفنية) حتى وجدت فى «الحيوان» مع اندلاع ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ متسعًا لأن أتجه بريشتى إلى عالمه، لأتحصن فى منطقة جديدة، بعد أن تحولت الثورة عبر التلفاز إلى نكسات وصراعات، فجعلت معرضى لهذا العام عن «عوالم الحيوان».

أعمالى تأثرت بالغربيين.. و«بعد سنتين سينما قالوا لى ما تنفعش»
تربينا فنيًا على النماذج الغربية وأعمال رواد الفن التشكيلى الغربيين لسنوات طويلة، وبالنظر إلى أعمال الفنان عبدالهادى الجزار، على سبيل المثال، ستجد هناك تماسا بينه وبين عدد كبير من الفنانين المكسيكيين، لكنك فى الوقت نفسه تجد شخصية «الجزار» نفسه بارزة فى تلك الأعمال، كما أن محمود سعيد تأثر هو الآخر بـ«عصر النهضة». ومن الصعب القول بأننى تحررت من التأثر بأعمال الغربيين، فمن منا لم يتاثر؟.. لكن أنا كرسام مصرى معاصر أحاول التواصل مع تلك الأعمال، لكن فى نفس الوقت أستحضر الإنسان المصرى فى أعمالى.
كما أننى تاثرت بفنانين مصريين مثل محمود سعيد، بكائناته المشحونة بطاقة سحرية، وعبدالهادى الجزار بعالمه الغامض.
أما علاقتى بالسينما، فقد تشكلت من خلال اطلاعى على عدد من التجارب الهامة مثل تجربة شادى عبدالسلام، الذى كان أحد المخرجين الذين يسكنون المشهد لكى يضبطوا عناصره، وصلاح أبوسيف الذى كان يريد أن ينقل لك روح التداخلات، بالإضافة إلى يوسف شاهين، وهو من السينمائيين الذين يمتلكون حساسية بصرية عالية.
كل هؤلاء دفعوا بى لخوض تجربة مع أفلام السينما منذ بداياتى، والتحقت بالمعهد العالى للسينما، وأدركت خلال دراستى، التى استمرت عامين، أن السينمائى يُعلم العالم حين ينظر للكاميرا ما الذى سيحدث؟، أما الرسام فتقع عيناه على ما يحتاجه فقط. لكن نهاية التجربة كانت بعدم قبولى كسينمائى، إذ قالوا فى المعهد لى: «أنت لا تصلح كسينمائى»، ولكن هذا لا يمنع أننى استفدت كثيرًا من التجربة فى عملى التشكيلى.
فى الثمانينيات توقفت حركة الفن التشكيلى لفترة طويلة عند الرواد والبالغ عددهم ٢٠ فنانًا، منذ الستينيات والسبعينيات، حتى افتتح وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى «صالون الشباب» فى التسعينيات، وصنع الصالون لمصر جيلًا كاملًا من الحركة التشكيلية. سمح فاروق حسنى للفنانين بالتجريب من خلال عرض الوسائط، التى لم تكن موجودة من قبل مثل «فيديو آرت» و«أوبجكت» و«بودى آرت» وغيرها، وهو ما قدم لهذا الجيل براحًا فى عرض أعمالهم، وهو ما لم يحدث فى أى بلد عربى. ومن أبرز الفنانين الذين قدمهم صالون الشباب وأصبحوا نجومًا فى العالم الآن الفنان وائل شوقى، الذى نفتخر به، وأسماء كبيرة شرق أوسطية أو عربية لكن جيل «صالون الشباب» واجه مشكلة بعد الثورة فى رأيى وصلت لحد الانتكاسة الحقيقية، خاصة بعد توقف الأعمال، وهؤلاء لا بد من حل عاجل لهم، وعلى الدولة أو رجال الأعمال أن يتدخلوا لحل أزماتهم، وإلا ستبدد طاقة فنية عظيمة.
أما عن سبب تراجع المعرض العام فى مصر، فإنه يعود إلى الروتين، فأنت لا تستطيع أن تجعل الروتينى «مبدعًا» لأن الإبداع يتناقض مع البيروقراطية التى تعبد الآلية وتهدر الطاقات، وما يهدد المعارض أيضًا هو سؤال كيف تصنع شخصية لدورة كل معرض؟ أما أنا فقد كانت علاقتى بالأدباء عميقة جدًا، وحين توفى إبراهيم أصلان، وكان صديقًا عزيزًا، حاولت تقديم أى شىء لروحه ولو كان عملًا فنيًا له، فرسمت لوحة له وتخيلت أن أفضل شىء لتقديمه فى هذه اللوحة هو أن أجمعه بالطائر، وحين انتهيت من العمل جاءت لجنة المقتنيات بالمعرض، وقالوا لى لن نستطيع أن نمنحك ثمن اللوحة، فقلت لهم خذوها إهداء بالكامل. وقدمت طلبًا لرئيس قطاع الفنون بقبول الهدية، فأنا أحببت أن يرى جموع الناس تكريم إبراهيم أصلان كأديب مؤثر، وأن هناك فنانًا تأثر به وصنع له هذه اللوحة، وأنا سعيد أن صورته ستظل، وأن هناك أجيالا ستراه، وكنت أتمنى أن يفعل أحد هذا لـ«طه حسين»، غير تمثاله الشهير. وبخلاف إبراهيم أصلان، هناك القليل من الكتاب الذين استطاعوا تكوين حاسة بصرية، ومن بينهم يحيى حقى، الذى كان يمتلك ثقافة بصرية هائلة ليست عند محفوظ أو يوسف إدريس.

النمنم مطالب باستغلال «جيوش الموظفين» فى تنشيط الثقافة
أقول لحلمى النمنم لا نستطيع أن نطالبك فى هذا الظرف بأكثر مما تستطيع، ولكن عليك أن تُفعل الموجود لديك من الهيئات كقصور الثقافة والمعارض والقاعات المغلقة، وجيوش الموظفين، الذين يعملون فيها يجب توظيفهم بطريقة أخرى، واستغلال المكتبات أيضًا.
نحن لا نريد إنشاءات، وليس جديدًا عليك أن تضع برنامجًا وستشاهد نتيجة أكثر فاعلية، وأيضًا لا أتكلم عن وضع ميزانيات، فبالنظر إلى تجربة «بينالى داكار» نجد أن جميع من يعملون فيه من المتطوعين، لكنهم ناجحون، لأنهم لا يملكون نظامًا بيروقراطيًا ببساطة.
نحن بحاجة إلى تجديد الخطاب الثقافى ككل، لكن أنا لا أصدق أن الفن التشكيلى يمكن أن يكون له دور بالمعنى المباشر فى مواجهة الإرهاب وتجديد الخطابين الثقافى والدينى، لأن هناك فنونا تستطيع التعامل مع الأحداث بشكل مباشر، مثل الجرافيتى والتصوير، إذ لعبا دورًا بارزًا فى ثورة يناير، لكن الفن التشكيلى له قدرة ما على خلق حالة من الإنسانية التى تُصعّب من مهمة العنف، وفى هذا يقولون «الفن يجعل القلوب تلين وترق».
أما عن جماعات العنف، فبالنظر إليها فى حقب زمنية مختلفة، مثل «الجيش الأحمر» فى اليابان، وجماعات كثيرة مسلحة، نجد أنها لم تستمر وسرعان ما انتهت، لأن الإرهاب هو نصف فكرة وليس فكرة، ولو أن تلك الجماعات تملك فكرة كاملة لم تكن بحاجة للعنف.
وبخصوص الجوائز، فالجائزة شىء مهم، وتمنح قيمة للفنان، لكن مشكلة الجوائز فى مصر تكمن فى آلية تنفيذها، فحين تنطبق الجائزة على شخص تذهب إلى آخر، مثلًا أتعجب فعلًا لماذا لم يحصل محمد البساطى على جوائز الدولة؟ وهو ما تساءل عنه إبرهيم أصلان بمرارة أيضًا، وأقول للجان تحكيم الجوائز عليكم أن تدركوا حجم المسئولية قبل منحها لبعض الأسماء وإغفال أسماء أخرى.

المصدر : الدستور