«الجارديان»: كيف يمكن لمريض لا يحرك سوى جفنيه أن يكتب؟ تقنية جديدة تعرف عليها
«الجارديان»: كيف يمكن لمريض لا يحرك سوى جفنيه أن يكتب؟ تقنية جديدة تعرف عليها

إن تقنيات التواصل لمرضى التصلب الجانبي الضموري، لا تتعلق بالتعزيزات للدماغ المتطورة فحسب، إنما بوجودهم حيز الوجود.

في حوار لها مع «ستيفن توماس» – مهندس برمجيات يبلغ من العمر 50 عامًا- حول الزراعات الدماغية، تذكرت «جولز مونتيجو» -استشارية متخصصة في الأعصاب وكاتبة- إصابته بمرض التصلب الجانبي الضموري ALS – amyotrophic lateral sclerosis- الذي يصيب الخلايا العصبية الحركية، فانتبهت أن المرض قد سلب بالفعل قدرته على الكلام، وبدأت تدرك ما يحيط به من كرسيه المتحرك، وجهاز التنفس الصناعي وسريره بالمشفى.

تحاول مونتيجو في مقال لها في صحيفة «الجارديان» البريطانية، عرض أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا في مجال تقنية الاتصالات وتعزيز الدماغ، وحجم الاستثمارات المالية الضخمة للوصول لتقنيات تترجم الأفكار إلى كلام منطوق، إلا أنها في عرضها لا تغفل أن ما قد يبدو استثمارات وتقنيات متطورة للغاية، قد يعني ببساطة الوجود لمن فقدوا القدرة على الكلام والحركة.

تقول «جولز» إن «ستيف» كان يعلم أن المرض يتقدم تدريجيًا وغير قابل للشفاء، وعلم أنه عما قريب لن يكون قادرًا على الحركة، وفي حالته لن يكون قادرًا على الكلام، يستخدم ستيف تقنية تعرف بـ«نظرات العين» كي يخبر الآخرين بما يريده، هناك كاميرا تلتقط انعكاس الضوء في عينيه بينما يقوم بالنظر لشاشة عليها الأوامر؛ فتُتَرجم حركات بؤبؤ العين إلى حركات المؤشر على الشاشة من خلال تقنية الأشعة تحت الحمراء، وهكذا يختار المؤشر الحروف والرموز التي يقصدها. حينها يحول جهاز توليد الكلمات تلك الكلمات المكتوبة إلى كلمات منطوقة، ومن ثم إلى جمل وقصص.

اقرأ أيضًا: عذاب المرضى النفسيين بدولة مصــر.. «خبرنــا» يكشف معاناتهم عن قرب

تطور سريع

توضح «جولز» أن الأجهزة الخاصة بتقنية «نظرات العين» تسمح للأشخاص ذوي القدرة المحدودة على الكلام وتحريك اليدين، باستخدام ضوابط بيئية، وحتى تأليف الموسيقى والرسم أثناء تواصلهم، وتضيف أنها تقنية تفيد أيضًا المرضى المصابين بالتصلب الجانبي الضموري، وحوالي 80% من الذين يعانون من صعوبات في التواصل، أو الشلل الدماغي، أو السكتات الدماغية، أو التصلب المتعدد، أو إصابات الحبل الشوكي.

لكن بالطبع ذلك التطور في التقنيات بعيد كل البعد عن وضع «جان دومينيك بوبي» رئيس تحرير مجلة «إيل» -ELLE- الذي أصيب بالشلل الرباعي من جراء إصابته بسكتة دماغية في عام 1995، كان «جاين» يغمز بطرف عينيه بشق الأنفس لمحاولة اختيار الحروف من لوحة عليها الحروف. كتب مذكراته بمعدل كلمة واحدة كل دقيقتين، والتي تم إنتاجها لاحقًا سينمائيًّا في فيلم بعنوان «.The-Diving-Bell-and-the-Butterfly.jpeg

009be6de35.jpg

The-Diving-Bell-and-the-Butterfly.jpeg

لقطة من الفيلم المذكور

لا يزال يستخدم البعض خيارات التكنولوجيا البدائية، إذ ليس الجميع مؤهلين بالطبع لملائمة المتطلبات المادية أو المعرفية لأنظمة «نظرات العين»، أحيانًا يستطيع المصابون بالشلل الرباعي الغمز بأعينهم لكنهم لا يستطيعون تحريك العين، بيد أن أدوات تحويل الكلام إلى نصوص والعكس بالعكس المثبتة على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية أحدثت ثورة في الاتصالات.

علاوة على ذلك فقد تطورت تكنولوجيا «نظرات العين» بسرعة مع توافر المصادر المفتوحة وخيارات التكلفة المنخفضة، والتمويل القوي من منظمة الخدمات الصحية الوطنية، وتحسين إمكانية الوصول؛ إذ يبلغ عمر بعض المستخدمين 13 شهرًا فقط. صممت النماذج الحديثة لتلك التقنية تقنيات مماثلة للهواتف الذكية والنظارات الذكية، لكن عمليًّا، بعض الأنظمة الحديثة لا يمكنها سوى كتابة ثماني كلمات فقط للدقيقة الواحدة.

إلا أن الكاتبة تصف ما شهدته تلك التقنية من عقبات، أثناء زيارتها لـ«ستيفن»، إذ مكنه الجهاز من كتابة ثلاث كلمات للدقيقة، بينما معدل كلام الأشخاص الطبيعي يبلغ 190 كلمة للدقيقة الواحدة، يقول «ستيف» «يسمح لي نظام نظرات العين بفعل كل شيء بدءًا من التحدث إلى زوجتى عبر سكايب، حتى الألعاب»، ويضيف: «لكن الجانب السلبي يتمثل في أنني أحيانًا لا يمكنني الانخراط في محادثة أو نقاش».

لكنها تؤكد الجانب الإيجابي الذي برع فيه ستيف بفضل تلك التقنية، فتقول إن «ستيف ما يزال نفسه»، إذ يحفظ خطابه قبل اختفائه من خلال ما يعرف ببنك الأصوات. نجح «ستيف» في تسجيل حوالي 1500 عبارة، وصار بإمكان جهاز التواصل خاصته، الآن، توليد عدد لا نهائي من الجمل من خلال تلك الأصوات، وبالتالي حفظت شخصيته وطابعه بشكل أو بآخر، تبدأ تكلفة خدمات بنك الأصوات من 100 جنيه إسترليني ، وبعض الجمعيات الخيرية تقدم قروض المعدات والدعم المالي.

حلم ترجمة الأفكار إلى كلام!

تذكر «جولز» أن «بيتر ديسين» -رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في معهد دوندرز للدماغ والإدراك السلوكي في هولندا، يجرى أبحاثًا حول ما يعرف بـ«واجهات الحاسب الدماغية» «BCI»، وهي تقنية يتم فيها تحليل إشارات الدماغ، ومن ثم استخدامها للسيطرة على الأجهزة الخارجية.

جدير بالذكر أن واجهات الحاسب الدماغية مكنت بالفعل ثلاثة مرضى مشلولين مؤخرًا من الكتابة من خلال أفكارهم عن طريق زرع رقاقات في الدماغ، بالطبع ما يزال هذا النظام في مراحل تطويره المبكرة، وما يزال بطيئًا، إذ يولد من 2 إلى 8 كلمات للدقيقة الواحدة، فضلًا عن تكلفته الباهظة، واستغراق تعلمه حوالي شهرًا كاملًا.

لكن تقنية «ديسين» التي يطلق عليها «نويزي تاغ»، التي طورتها جامعة رادبود، لا تتطلب جراحة دماغية، بل يرتدي المستخدمون سماعة تغطي الرأس مزودة بأقطاب تسجل نشاط الدماغ، ينظر المستخدم إلى شاشة تحتوي على مصفوفات من الأحرف الوامضة، التي وُسِم كل حرف منها برمز معين، ومع التركيز على حرف بعينه يظهر توقيع الحرف في الموجات الدماغية المسجلة في سماعة الرأس، ثم تبدأ عملية كتابة الأحرف، فينطقها الجهاز في هيئة جملة تامة.

يستخدم النظام التعلم الآلي وتوقع الاستجابات لكل نمط، ما يعني أن هناك حاجة إلى خلق معايير محددة، على سبيل المثال تتم كتابة حرف واحد كل ثانية أو ثانيتين بمعدل دقة يصل إلى 95%. وتضيف «جولز» أن هناك حوالي عشرين مريضًا بمرض التصلب العصبي المتعدد عكفوا على تجربة تلك التقنية، مع وضع احتمال زيادة العدد خلال العام القادم، وتوسيع مجالات استخدام الطريقة لتشمل إنترنت الأشياء.

استثمارات ضخمة

عند الحديث عن التكنولوجيا والتعلم الآلي لا يمكن بحال من الأحوال إغفال استثمارات فيسبوك و«إيلون ماسك». تشير «جولز» إلى إعلان فيسبوك مؤخرًا أنه يخطو نحو إنشاء حلقة لواجهات الحاسبات الدماغية BCI، والتي ستكون قادرة على حل شفرات النشاط العصبي في غضون عامين باستخدام تقنية غير جراحية –لم تكتشف بعد- في «المبنى 8 الغامض» -حسب وصفها- في مينلو بارك بكاليفورنيا، جدير بالذكر أن المبنى 8 التابع لفيسبوك يحوطه بعض الغموض من حيث تفاصيل وظيفته، إلا أنه من خلال إعلان بعض الوظائف فيه يبدو أن المبنى معني بـ«مراقبة طريقة تغيير النشاط الدماغي عندما ننظر إلى الصور والفيديوهات»، وذلك وفق ما ذكرته صحيفة الدايلي ميل البريطانية.

يعتقد «زوكربيرج» أننا سنكون قادرين على الكتابة باستخدام أفكارنا فقط أسرع 5 أضعاف من طريقة كتابتنا الحالية على الهواتف الذكية. علاوة على أن «إيلون ماسك» أسس مؤخرًا شركة بلغت تكلفتها 100 مليون دولار، تدعى «نيورالينك»، والتي حسب قوله تستفيد من تقنية واجهات الحاسبات الدماغية، في غضون عشر سنوات. إلا أن فريقًا آخر يعبر عن تشكيكات بناءة، إذ يظل عرض النطاق الترددي والتوافق مع الحياة البيولوجية تحديات كبيرة، ناهيك عن المخاطر الجراحية وفهمنا لمبادئ علم الأعصاب الذي ما يزال في طور التكوين.

”Gerelateerde

تقول «جولز» إن وكالة مشاريع البحوث المتقدمة للدفاع -Darpa- في الولايات المتحدة الأمريكية استثمرت ما يقرب من 65 مليون دولار في زراعة الأعصاب كمحاولة لاستعادة النطق، والسمع، والرؤية، والذاكرة لدى من يعانون من السكتات الدماغية، والأمراض العصبية التنكسية. فضلًا عن أن أحد المجموعات تعمل على التسجيل اللاسلكي للإشارات من حوالي مليون خلية عصبية، من خلال زراعة عشرات الآلاف من التقنيات الميكروسكوبية تدعى بـ«نيروجراينز» في الدماغ.

جدير بالذكر أن تقنية واجهات الحاسب الدماغية تقرأ حوالي مائة خلية عصبية. ما تشكل «شبكة داخلية قشرية» تقرأ وتكتب المعلومات، ثم يتبعها تعزيز الدماغ. أظهرت الأجهزة العصبية بالفعل نتائج واعدة في تحسين ذاكرة الفئران، واتخاذ القرار لدى القرود، إلا أن حالة البشر بطبيعة الحال أمر آخر. ولعل هذا هو السبب في أن «كيرنيل» -شركة ناشئة تكلفتها مائة مليون دولار- التي تهدف إلى بناء «أول جهاز عصبي في العالم لتعزيز الذكاء البشري»، غيرت سريعًا من مجالات تركيزها. يقول مؤسسها «برايان جونسون» إن واجهات الحاسب الدماغية التوسعية «هي مشوقة حقًّا، لكنها ليست نقطة الدخول» إلى عمل مجدي تجاريًا.

وتضيف «جولز» أن بالوقــت نفسه، يسعى فيسبوك لكبح المخاوف حول انتهاكات الخصوصية وقرصنة الدماغ، فقد صرح مسؤولو فيسبوك أن: «لسنا بصدد فك الأفكار العشوائية، إنما الأمر هنا معنيٌ بفك شفرات الكلمات التي قررت بالفعل مشاركتها عن طريق إرسالها إلى مركز الكلام في الدماغ، فكر في الأمر كالتالي: أنك التقطت العديد من الصور لكنك قررت مشاركة بعضهم فقط، بالمثل، لديك العديد من الأفكار، لكنك قررت مشاركة بعض منهم فحسب». لكن بالطبع لا تبقى كل الصور غير المرغوب مشاركتها في الخفاء.

وختامًا تحاول «جولز» عرض الجانب الإنساني الذي تخدمه تقنية كتلك، فما يبدو للبعض أنه تنافس شركات تقنية كبرى، يمثل للبعض ببساطة الوجود. يقول «ستيف»: «لدي بالفعل نموذج أولي من واجهات الحاسب الحاسب الدماغية»، ويضيف: «أتمنى أن أموت في اللحظة التي لا أتمكن من التجاوب فيها مع تقنية واجهات الحاسب». ما يستدعي للأذهان ما كتبه «بوبي» في مذكراته ينعي فقدانه المحادثات الفعلية، إذ انحصر دليل وجوده قيد الحياة على إطلاقه النفس بصخب خلال جهاز، وصار من الصعب إجابته عن سؤال «هل ما زلت حيًّا؟»، فبعد فقدانه القدرة على الكلام والتواصل لم يعد متأكدًا هل ما يزال موجودًا أم لا.

.

المصدر : ساسة بوست