تباكوا صنم النافورة.. في حين أنهم تناسوا الحضارة!
تباكوا صنم النافورة.. في حين أنهم تناسوا الحضارة!

تخلل عام 2017 الكثير من الأحداث على المستوى الجزائري والإقليمي؛ إذ كانت المواضيع السياسية والاقتصادية الأكثر جدلًا تتخللها تلك الوقائع على المستوى الاجتماعي، التي جعلت لنفسها حيزًا متميزًا وسط كل ما تعرفه البلاد من تغيرات، كما حاز الجانب الثقافي الاهتمام في أواخر العام في الإشارة إلى أكثر الحوادث مهزلة منذ سنوات، وهو التشويه الذي تعرض له تمثال عين الفوارة بسطيف، وهو أحد المعالم البارزة في المنطقة وواجهة تعريفية للمدينة.

تعد مدينة سطيف الجزائرية من أهم مدن الشرق الجزائري، بل تحتل مكانة مرموقة اجتماعيًّا واقتصاديًّا بعد الجزائر العاصمة؛ لما تعرفه من ثروات طبيعية وبشرية، والتي تعزز لها الصدارة في الجانب الاقتصادي؛ إذ تتميز بكثافة سكانية كبيرة ونشاطات وفعاليات شتى في مختلف المجالات، فتعرف بمدينة الهضاب العليا نسبة إلى تضاريسها الطبيعية، بالإضافة إلى شهرتها باسم مدينة عين الفوارة.

عين الفوارة أو نافورة عين الفوارة هي تلك العين أو المنبع الطبيعي على شكل نافورة، الذي يتوسط ساحة الاستقلال في المدينة، والتي تعلوها منحوتة من الحجر الأبيض على شكل امرأة عارية الجسد، وضعت في العهد الاستعماري، نحتها الإيطالي فرنسيس سان فيدال ليعرضها في متحف اللوفر الفرنسي بمناسبة 100 عام على تشييد برج إيفل، والتي نالت إعجاب أحد القادة العسكريين الفرنسيين في الجزائر؛ فطلب نقلها لتوضع في ساحة هذه المدينة الجميلة، إلا أن الأجداد ممن عايش الثورة لا ينظرون إلى الحادثة بهذا الرونق الفرنسي؛ إذ يرون أن الهدف من وضعها في هذا المكان بالذات هو إبعاد الجزائريين عن هذه النافورة، إذ إنهم كانوا يستعملون المنبع أثناء الوضوء، وبالتالي نصب تمثال من هذا النوع يعد طمس صورة من صور المجتمع الجزائري، والتي تعكس واحدة من مقوماته والمتمثلة في شخصيته الإسلامية، والتي لطالما حاربها الاستعمار الفرنسي.

تعد نافورة عين الفوارة واجهة لمدينة سطيف؛ فهي في الأخير تمثل معلمًا راقيًا يشكل أهم الواجهات السياحية للمدينة، ألهمت العديد من الشخصيات فكريًا وثقافيًا، إلا أنها تثير جدلًا واسعًا من جانب المتحفظين دينيًّا بوصفها تشكل معلمًا مرفوضًا إسلاميًّا قد يتجاوزه الأمر إلى تحريم وجودها، ومن جانب آخر يختلف الرأي فهو معلم حضاري يجب المحافظة عليه، وقد تعرضت النافورة إلى التخريب مرتين منذ وضعها، كان الأول سنة 1898 والثاني في 2017، بفعل أطراف رافضة لهذا النوع من التماثيل؛ فبعيدًا عن معالم التحضر التي يتحدثون عنها، وبعيدًا عن التحفظ الذي يدعو إلى تخريب هدا النوع من الفن، الذي يعد ملكًا عموميًّا، هل حقًّا النافورة وبتمثالها تعد معلمًا حضاريًّا لهذه المدينة، رغم هويتها الإسلامية والمساس بها أصبح ممنوعًا؟

الحقيقة أن القيام بهذا النوع من التخريب يعد فعلًا همجيًّا، من جهة أن التمثال ملكية عامة، والتطاول عليها بهدف تخريبها المتعمد يعد فعلًا بعيدًا عن التحضر يعاقب عليه القانون، حتى لو رأى بعضهم مثل هذه التصرفات بالعادية، خاصة أن الموروث استعماري، وهم بهذا غير مدركين أن حتى ذلك الجانب الاستعماري المظلم هو جزء من تاريخ الوطن؛ فالحقبة الاستعمارية في الجزائر هي فترة طويلة تحمل في طياتها جوانب عديدة؛ فالجانب المعماري الاستعماري مثلًا يشكل موروثًا ماديًّا غنيًّا جدًا، أعطى المدن الجزائرية طابعًا خاصًا بها، فليس كل ما هو استعماري قابلًا للتشويه أو يجب أن يتعرض للتهديم، فقد يشكل قطعة مهمة من قطع التاريخ، وأكبر مثال لذلك الحقبة الرومانية الاستعمارية؛ إذ تعد المخلفات الرومانية كنزًا ثقافيًّا تاريخيًّا وسياحيًّا للجزائر ذات العمق التاريخي الكبير، ومنه فالمساس بالتماثيل والموروثات التاريخية على أساس مصدرها الاستعماري، أو الاعتداء عليها بصفتها ملكية عامة، أمر مرفوض باسم القانون والتاريخ البشري.

من الجانب الآخر فكرة إزالة التمثال أو رفض وجوده تعود إلى البعد المجتمعي، الذي يتسم به المجتمع الجزائري، ففي الأخير، ورغم التفتح الذي يعرفه الجزائري، والصورة التي يحاول البعض عكسها لهذا المجتمع، يبقى الجزائريون، وبعيدًا عن فكرة التطرف، أشد الشعوب تعلقًا بدينهم الإسلامي ومبادئه، فالحياء والحشمة أبسط مبادئ الأسر التي تشكل الخلية الأساسية لقاعدة المجتمع، ووجود هذا النوع من تماثيل مخل بالحياء العام، حتى لو وجوده كان لعقود كثيرة؛ فهذا ليس تبريرًا واقعيًا على إجماع الناس واتفاقهم على المحافظة عليه في هذا المكان، فالواقع يقول إن أغلبية المجتمع الجزائري رافض لوجود التماثيل العارية واعتبارها جزءًا من المنظر العام، حتى لو كانت الطريقة الأجدر والأصح لإزالتها تكون بتوقيع عريضة لرفض وجودها وليس إزالتها عشوائيًّا.

إن أكثر ما يثير الجدل في مهزلة تخريب تمثال عين الفوارة هو طريقة تعامل أصحاب الاختصاص مع الموضوع بعيدًا عن السلطات، والتي سارعت إلى وضع حد لهذا العمل التخريبي ومفتعله، وأقصد بذلك الحرفيين والمعماريين والنحاتين والذين استنجد بهم لإيجاد الحلول اللازمة لإعادة ترميم التمثال، والسؤال الذي يجب طرحه، مع الإبقاء والتأكيد على أهمية وجود التمثال في الساحة، خاصة بالنسبة للمنظر العمراني والحضاري للمكان، ألم يكن من الأجدر نقل التمثال إلى أحد المتاحف؟ وبذلك يكون وجهة من يجذبهم ويثير اهتمامهم هذا النوع من الفن، والذين لا يمثلون تلك الفئة العظيمة، بعيدًا عن كل نفاق اجتماعي، وتعويضها بتمثال جزائري يضع الجزائر المستقلة بقيمها وفن حرفييها واجهة أساسية للمدينة، دون الانتقاص من أهمية ساحة الاستقلال ونافورتها.

وبالحديث عن فناني ومحترفي فن النحت في الجزائر، يحضر إلى الذاكرة تمثال العربي بن مهيدي، وهو أهم قادة الثورة التحريرية الجزائرية وملهمها، الذي شيد بعين مليلة ولاية أم البواقي، والذي عده سكان المدينة خاصة، وكل الجزائريين بصفة عامة، عملًا عشوائيًّا في حق الشهيد البطل، بدل تحفة فنية تخليدًا لذكراه، بعد أن تميز التمثال بتشويه صورة الشهيد تشويهًا فظيعًا، بل غيره من التماثيل التي نصبت في مختلف ولايات الوطن كتمثال الخروف في ولاية تبسة، والذي أثار تعليقات هزلية لفظاعة المنظر ولنقص الحس الإبداعي، وكأنه أعاد سكان المنطقة إلى تلك العصور الجاهلية مما اضطرهم للتخلص منه بأنفسهم، فكان من الأجدر الاهتمام بهذا الفن وإعطاؤه المفهوم العميق للتصوير والتجديد، بدل رؤية حرفي هذا المجال يتغنون بتحف ومنحوتات غريبة عن مجتمعاتهم باسم الفن والتحضر والرقي الثقافي، في حين أنهم لا يبدعون ولا يتجرؤون على محاكاة واقعهم وتاريخهم.

إن التاريخ الجزائري غني بالحضارات المختلفة من العصور الحجرية مرورا بالوجود الروماني إلى ثقافتها الأمازغية، ثم إلى فتحها الإسلامي وما يحمله من تنوع عثماني وأندلسي، والأهم العربي، وغيرهم كثير، وبالتالي كان من الأولى تمثيل مختلف الحضارات بخصائصها ومميزاتها المعمارية والعمرانية والفنية بدل البكاء على الأطلال والنسخ واللصق، والاهتمام قبل كل شيء بالموروث التاريخي والثقافي الفكري، وتحويله إلى تراث مادي ملموس، أم أن الفن لديهم مقتصر على الترميم والتباهي بمخلفات الغير؟

إنه ومن المؤسف أن الفن في الجزائر، وخاصة النحت، يعاني ركودًا فظيعًا وعدم اهتمام، فهو فقط مجاراة لمفهوم التحضر ولا يستقطب ذلك الكم الهائل من الإعجاب، كما أن مفهوم الحضارة في اندثار مستمر تحت مبدأ كل ما هو غربي فهو مثال يقتدى به، مما خلق فجوة بين الفن المقدم والفرد المتلقي الذي يراه لا يعبر عن الصورة الحقيقية لمجتمعه؛ فهو يعكس طابعًا زائفًا ومنمقًا أكثر من اللازم، فبعيدًا عن وجود تماثيل عارية بين رافض ومتقبل، فإن وجود تماثيل في الساحات وغيرها جزء مهم من المنظور المعماري والعمراني الحديث فهي مؤثر فعال في ديناميكية الفضاء الخارجي ونشاطه، بل معلما من معالمه، لكنها بالوقــت نفسه تشكل رموزًا مهمة وواجهة تعكس المجتمعات والثقافات وتعاقب الحضارات، وبالتالي لا يجب أن تحاكي قصصًا غير قصة المجتمع التي تنحت لأجل تزيينه، فما كان على الجهات المعنية والمختصة إلا الاهتمام جزئيًّا على الأقل بحضارة المجتمع ومبادئه، خاصة في ظل تطور مشاريع التهيئة والعمران بدل التباهي بصنم مستورد، أم أن للغرب عند العرب مكانة العزيز في داره.

المصدر : ساسة بوست