سرقوا مني حياتي.. أبشع جريمة تحدث في مجتمعنا  
سرقوا مني حياتي.. أبشع جريمة تحدث في مجتمعنا  

سرقوا مني حياتي! بصوت يملؤه الاكتئاب والألم، بصوت نحيب يعبر عن إنسان محطم يغتاله اليأس، أجاب صديقي الذي يكبرني بـ20 سنة، عندما سألته: لماذا أرى عينيك محطم فيهما الأمل، منكسرة فيهما الفرحة، فلا تكاد تخرج منك ضحكة إلا وهي ممزوجة بشيء من رائحة البكاء؟

صديقي هذا ضحية من ضحايا أعظم جريمة في تاريخ الإنسانية، وهي سرقة الحياة، تلك الجريمة الشنعاء التي حرمت أمتنا قرونًا من القادة والمبدعين، الذين قُتلوا ذبحًا مع سبق الإصرار والترصد، من الأهل والمجتمع، لعلك صديقي القارئ قد انتابك الملل، ولكنك سوف تُدهش لأنه ربما يكون صديقي المحطم هذا هو أنت، ولعلك تجد اسمك بين طيات مدونتي.

إن العالم كله يدفعنا حتى نكون ما يريد هو، لا ما نريد نحن، نعم، تجد الأهل يرسمون لك خطة حياتك ومستقبلك، بل يحددون فيها أدق التفاصيل وأبسط الأمور، كثير من الأهل وأغلب مجتمعاتنا لم تحترم أحلامنا يومًا ولم تؤمن أصلاً بحقنا أصلاً في الحلم. يسرد صديقي حكايته: «كان حلمي دخول كلية التجارة حتى أدرس في قسم إدارة الأعمال الذي طالما كان حلمًا لي وهدفًا أضعه نُصب عيني، حتى أجبرت، والحق أنني استسلمت لأهلي، ودخلت كلية الهندسة تحت دعوى «يا بني إحنا عايزين نشوفك أحسن واحد في الدنيا».

كنت كالتائه الضائع بدون حلم ولا أمل حتى جاءت بارقة الأمل، كانت زميلة لي في الصف نفسه؛ فأعجبت بها، كانت أحلامنا متشابهة وأفكارنا متناغمة، لقد وقعت في حبها فأردت خطبتها؛ فكان رد الأهل كالخنجر في قلبي «مش حتتجوز واحدة من نفس سنك، انتهى الموضوع»، ولم يكن بيدي أي حيلة وقتها؛ فليس لدى المال ولا الشجاعة حتى أُخالف الأمر؛ فاستسلمت فضاعت مني وقُتلت أنا مرة أخرى.

تخرجت في الكلية بعد سبع سنوات، نعم لقد كنت متفوقـًا لدرجة أنني قمت بإعادة سنتين في الكلية؛ إذ كان معدلي يقترب من الصفر، وما إن تخرجت حتى جاءتني فرصة سفر إلى الخارج، لقد كان السفر حلمًا لي أيضًا فكان رد الأهل: «يا بنى إحنا عايزين نشوفك أحسن واحد في الدنيا، الغربة صعبة خليك جنبنا متطمنين عليك وعيش زي ما كل اللي حوالينا عايشين»، لن أزعم وأقول إنني قاومت، بل سأصدقك القول لقد انهرت واستسلمت فقد ضاع آخر أحلامي، وتناسيت فكرة السفر، بعدها بفترة لكي تفرح بي أمي كما تزعم، وتكمل تخطيط حياتي ورسمها زوجتني ابنة عمي؛ فهذا عُرف الأهل والمجتمع حولي، والحق أنني استسلمت، عشت معها حياة بائسة مدة سبع سنوات، كانت زوجة مناسبة في نظر أمي، لكنها لم تكن مناسبة لي أبدًا، ليت أمي كانت تفهم ذلك.

بصوت يملأه البكاء، سأصدقك القول يا صديقي أنا الآن أتعس واحد في الدنيا، لقد جعلوني تعيسًا بعدما سرقوا مني حياتي، لقد طلقت زوجتي بعد أن أصبحت الحياة بيننا مستحيلة. أنا اليوم أبلغ من العمر الخمس والأربعين، وقد اشتعل الشيب في رأسي وظهرت ملامح الشيخوخة في وجهي مبكرًا جدًا، ليتني أستطيع شراء العشرين عامًا التي ضاعت من عمري وأنا مستسلم تحت دعوى «إحنا يا بنى عايزين نشوفك أسعد واحد في الدنيا».

إنا لله وإنا إليه راجعون، جاءني خبر انتحار صديقي بعد خمسة أيام من حديثنا هذا، نعم لقد انتحر من كان يريدون منه أن يكون أسعد واحد في الدنيا والحق أنه لم ينتحر بل هم من قتلوه. سامحني صديقي القارئ لو أوجعتك، ولكن هذا الشخص في مجتمعنا بالآلاف منه، منه شباب ومنه فتيات سُرقت حياتهم وآمالهم وحُطموا وأُفقِدوا الأمل، يجب أن نؤمن أن حياتنا هي ملكية خاصة، ليس لأحد أن يقرر أبدًا ما الذي ينبغي أن نفعله، حياتنا ملكنا من حقنا أن نُجرب ونخطئ ونسقط ونسعد ونتألم؛ فهي حياة واحدة، فلتكن كما نريد نحن، وكما نقرر نحن، لا كما يمليه علينا المجتمع والأهل، وصدقني إن وجعك وألمك على حياة تخاطر بها كما تهوى نفسك ويريد عقلك، أقل بكثير من وجعك وألمك على حياة أُمليت عليك وأُجبرت عليها، لا تجعلهم يسرقون منك حياتك فهي أغلى ما تملك.

حياتك ليست الأمس ولا اليوم ولا الغد، بل هذه الثانية التي تعيشها؛ لذلك فلتعشها كما تريد أنت، وليس كما يريدون هم، ولتعلم أنك قد فُطرت وخُلقت مناضلاً فلا تنحن، فإن الحياة لا تحترم إلا الأقوياء، إنك لا تحتاج أبدًا إلى أتباع وسلطة لكي تكون قائدًا، فقط يكفيك أن تكون قائدًا لحياتك.

المصدر : ساسة بوست