متى نشأ أول سجن في العالم؟.. ما لا تعرفه عن تاريخ تطور السجون عبر التاريخ
متى نشأ أول سجن في العالم؟.. ما لا تعرفه عن تاريخ تطور السجون عبر التاريخ

السَجْن، والحَبس، والإصلاحيات، أو المنشآت الإصلاحية، أحد أقدم الاختراعات البشرية، وعندما تقوم الثورات عادةً أول ما يذهب الناس إلى تحطيمه هي السجون. استُخدمت السجون وسيلة لردع المجرمين، ولقمع معارضي الدولة، وفي الحروب والنزاعات، وما زالت فكرة السجون حتى الآن كما كانت منذ البدء، أن تفصل الناس بأسوار عن العالم الخارجي، الفارق أن الأسوار تطورت من الحديد إلى الليزر وأبواب إلكترونية تستخدم بصمات اليد.

كيف كان شكل العقاب قبل ولادة السجون؟

قبل نشأة السجون كانت العقوبات التي تفرضها السلطة دائمًا بدنية، عبارة عن أعمال شاقة، أو نفي بدون محاكمة، وكان التعذيب الجسدي عادةً ما يتم بصورة علنية، وفي الساحات العامة، بهدف ردع المجتمع.

ما يثير الدهشة أن السجن في بداية نشأته لم يكن الغرض منه العقوبة في حد ذاته، إنما كان مكانًا يُحتجز فيه مرتكب الجريمة، لفترة من الزمن، حتى تقع عليه العقوبة الفعلية، وكانت عادة عقوبة بدنية مؤلمة، مثل الضرب بالسوط.

رحلة طويلة خاضتها السجون لتتطور باعتبارها فكرة عقابية، بمرور الزمن، بسبب تقدم العلوم الإنسانية، والتقدم التكنولوجي، من زنازين تحت الأرض، وأبراج وقلاع، إلى سجون حديثة تسمح باصطحاب حيوانات أليفة، وآلات موسيقية في دول العالم المتقدمة، فتطورت أصفاد القدم الحديدية إلى أساور إلكترونية، لكن بقيت فكرة السجن باعتباره عقابًا موجودة عبر التاريخ.

هناك الآن نحو 10 ونصف مليون مسجونًا حول العالم، منهم 2.2 مليون في أمريكا وحدها، ومنذ عام 2000 زادت نسبة المساجين حول العالم نحو 20%، وزادت نسبة النساء منهم نحو 50%، وزادت نسبة الرجال أيضًا بحوالي 18%.

متى وُلد السجن؟.. «الزنزانة مبنية قبل الكون»

أقدم تاريخ لوجود نظام السجن، سُجل في الألفية الأولى قبل الميلاد، في بلاد الرافدين ومصر، في هذه الآونة كانت السجون عبارة عن زنازين تحت الأرض، وكان مصير المساجين إما الإعدام، أو أن ينتظروا أمرًا ليصبحوا عبيدًا.

غيرت اليونان الوضع قليلًا، فتحولت الزنازين المظلمة والأسوار العالية إلى وحدات خشبية، يوضع بها المساجين، مسلسلين بالأصفاد في أقدامهم، وسمحت لأقاربهم وأصدقائهم بالزيارة.

لوحة السجين لجويا،المصدرfranciscodegoya.net

استخدمت الإمبراطورية الرومانية القديمة وسائل قاسية للسجن، كل الزنازين كانت تحت الأرض، ضيقة وبينها ممرات وطرق كلاستروفوبية «تسبب الرهاب والاختناق»، وكان السجناء يقيدون بسلاسل، لمدة من الزمن، أو مدى الحياة، ولأن نظام العبودية كان موجودًا آنذاك كان يستخدم «العبيد» ممن تحرروا من السجن، ليكونوا مصارعين.

في أوروبا ظلت أحوال السجون قاسية، حتى بداية الملَكية الإنجليزية، في تطبيق نظام أكثر عدلا. في عام 1166 شيد هنري الثاني ملك إنجلترا أول سجن، وبالتوازي أدخل بعض الإصلاحات القانونية، ووضع أول مسودة عُرفت بعد ذلك بنظام المحلّفين.

في عام 1215 وقّع جون ملك إنجلترا أحد أهم التشريعات التاريخية المعروفة باسم الماجنا كارتا، أو في الحقيقة أُجبر على التوقيع، وتتضمن الوثيقة أنه لا حبس دون محاكمة، وفي القرن الـ15 في فترة اضمحلال الإقطاعية، وتوسع المدن، حدثت اضطرابات اقتصادية واجتماعية، وأصبح الكثيرون بدون مأوى، وزادت السرقات، والدعارة، ولتتعامل السلطة مع هذه التطورات شُيدت بيوت عمل أشهرها بريدويل كان يوضع بها السراق، وبائعات الجنس، والمشردون، يمكثون في غرف وليس زنازين. كان المسجون آنذاك يصنع منتجات متنوعة، لأن العمل الشاق هو صورة لإعادة التأهيل من وجهة نظر الدولة حينها، ولكن لم تنفّذ كل البلاد الأوروبية هذه الفكرة.

مستعمرات العقاب..سجون ممتدة  بلا جدران

ومع تقدم الصناعة في الفترة من القرن الـ16 إلى القرن الـ18، تضاعف المساجين بصورة درامية، أُدخلت وسائل أخرى للعقاب، غير مكلفة اقتصاديًا، مثل إرسال المساجين إلى معسكرات بعيدة، في نهاية القرن الـ18، أُرسل أكثر من 50 سجينًا من إنجلترا إلى مستوطنات العقاب في شمال أمريكا واستراليا، ليقوموا بأعمال شاقة في الأدغال، بلا أجر، لذا كان نظامًا أشبه بالعبودية، كثيرًا ما كان المعتقَل يموت بسبب الإهمال الطبي، وسوء التغذية، أو من شدة الإرهاق، وكان الموت أيضًا ينتظره إذا حاول الهرب.

وظلت فرنسا تستخدم هذا النظام حتى القرن العشرين، أما روسيا فكانت ترسل المساجين إلى شمال شرق سيبيريا المتجمد، واستمر استخدام هذه المستعمرات البعيدة حتى التسعينيات.

إنجلترا صانعة شكل السجون الحديثة

تُعرف لندن على أنها مكان ميلاد السجون الحديثة. بدأ الأمر منذ القرن الـ19 في إنجلترا؛ الفيلسوف جيرمي بنثام «1748-1832» كان صاحب فكرة إرسال المدانين للسجن باعتباره عقابًا، لأنه كان ضد عقوبة الإعدام.

رسم بنثام مخططات لمنشآت يبقى فيها المساجين لفترة من الزمن، كان التصميم يتضمن عدم قدرة المساجين على رؤية الحراس الموجودين بالسجن، وكان الغرض من هذا التصميم توفير الأموال؛ عن طريق عدد قليل من الحراس، والاعتماد على الحراس الموجودين في مخيلات المساجين، في النهاية هذا التصميم لم يُنفّذ، لاستحالة تنفيذه عمليًا.

حتى ظهر بنجامين راش في أمريكا، أحد الذين آمنوا بضرورة عزل المجرمين عن المجتمع، وإعادة تأهيلهم، وبمساعدة الكويكرز، بُني أول سجن حقيقي في أمريكا، وهو walnut street وكان يعرف باسم إصلاحية.

ازدحام المساجين نتج عنه الاتجاه  لبناء سجون كبيرة، مثل السجن الشرقي في فلادلفيا، والذي تغيّر فيه تصميم السجن جذريًا، واتبع السجن الشرقي فكرة عزل المساجين عن بعضهم البعض،  لمنعهم من تكوين عصابات، أو منظمات، أو تفكيرهم في الهرب.

في الغرف كان المسجون يقوم بعمله في صبغ الملابس أو صناعة الأحذية، لكن تصميم هذا السجن كان مكلفًا جدًا، في وقتها كان أغلى مبنى في الولايات المتحدة، فقد تكلف 770.000 دولارًا.

في عام 1820 طبّقت نيويورك نظامًا يسمى نظام الصمت؛ وهو يعني العمل طوال النهار، والحبس الانفرادي بالليل، وكل ذلك يتم في صمت إجباري،  وأشهر السجون التي طبّقت هذا النظام هو سينج-سينج، وهو أول سجن يطبق نظام الزي الموحد للمساجين، أبيض في أسود، باعتباره نوعًا من أنواع المراقبة، عُرف سينج-سينج بالمارشات، والكرسي الكهربائي، والغرف الصغيرة جدًا، والصمت، وصُمم السجن بطريقة ما تسمح للسجان بفتح أبواب الزنازين كل في نفس الوقت بحركة واحدة.

على الأرجح أنك شاهدت سينج-سينج ذات مرة، فطالما ظهر في لقطات بأفلام هوليودية وكان مسرحًا أيضًا لإعدام زوجان من أشهر أصحاب جرائم التجسس إيثيل وجوليو روزينبيرج، وهما زوجان أمريكيان، شيوعيان، أعدمِا في عام 1953 بتهمة التخابر مع الاتحاد السوفيتي.

صورة لأحد زنازين سينج-سينج، المصدر https://en.wikipedia.org

في 1920-1930 زادت معدلات الإجرام والعصابات، بسبب فشل عملية إعادة التأهيل -الهدف الأساسي للسجن- ظهرت عصابات خطرة وخارجين عن القانون مثل آل كابوني، أُرسل هؤلاء الخارجين عن السيطرة، إلى سجن جديد، مشدد الحراسة، بخليج سان فرانسيسيكو يسمى ألكتراز، ومع الأساليب المشددة للحراسة، شهد السجن حالات هرب متعددة، على مدار 30 عامًا، نجح بعض منها، وفشل الآخر، نُسجت حوله الكثير من الأساطير، وألهم كثيرًا من صناع السينما ثم أُغلق ألكتراز عام 1963 لتكلفته الباهظة.

فيلم birdman of alcatraz

نشأت السجون في أمريكا بعد استقلالها، على هيئة إصلاحيات، كان هدفها هو إعادة تأهيل المساجين، بالمعنى الديني، فكانوا يقضون الوقت في السجن تكفيرًا لذنوبهم، لكن سرعان من ازدحمت السجون، وأصبحت شديدة الخطر والقذارة.

أدت الحروب التي اجتاحت العالم في بدايات القرن العشرين إلى ظهور فكرة معسكرات الاعتقال، خلال الحرب العالمية الأولى استُخدمت هذه المعسكرات في كندا، لأسر العدو الأجنبي، وهو ما استخدمته ألمانيا لاحقًا في الحرب العالمية الثانية.

بدأت ألمانيا النازية في بناء أكثر من 300 معسكر، لاعتقال أعداء من نوع آخر،  الخصوم السياسيين، والصحفيين غير المرغوب فيهم، والشيوعيين، واليهود والـ«غجر»، والمثليين،  بدون محاكمة عادلة،  وُقدرت أعداد المساجين من11 إلى 17 مليون شخص، ولا يخفى على أحد أن معظم هؤلاء قد قُتلوا في النهاية بصورة وحشية.

تاريخ البحث عن سجون «أفضل»

لم يُترك السجناء في صحراء السجن يعانون وحدهم للأبد، فمنذ أن وُلدت السجون، نشأت في المقابل حركات وجمعيات هدفها المحاربة لتحسين أحوال السجون، في عام 1787 كانت ولادة أحد أهم هذه الجمعيات، وهي الجمعية الفلاديلفية لتخفيف معاناة السجون، والمعروفة اليوم باسم «جمعية سجون بنسلفانيا».

كان هدفها التخلص من السجون الانفراداية، والأعمال الشاقة التي تُفرض على المساجين، بهدف إصلاح سلوكهم.

في عام 1800 ظهر «زيبلون بروكواي» أحد رموز إصلاح السجون، وصاحب فكرة إطلاق السراح المؤقت للسجين على ذمة القضية، ودعَم تعليم المساجين من سن 16 إلى 21 عامًا، وتقليل العقوبة لحسن السير والسلوك.

لوحة السجناء لفان جوخ، المصدر: http://www.vggallery.com/painting/f_0669.jpg

في أواخر القرن الثامن عشر؛ زار المصلح الاجتماعي جون هوارد «1726- 1790»، كل سجون بريطانيا، ليتقصى مشاكل هذا النظام العقابي، وكرّس هوارد حياته ووقته بالكامل لبحث مشكلات السجون، وإصلاحها، وكان هوارد نفسه قد تعرّض للسجن في السابق لمدة ست سنوات.

لعب الكويكرزأو الصحابيون دورا هامًا في تاريخ إصلاح السجون، فـ«جورج فوكس» مؤسس أصدقاء الجمعية الدينية أو الكويكرز، كان قد سُجن في السابق لعدة سنوات، من «1648 إلى 1657» في عشرة سجون مختلفة على الأقل، ووصف أماكن احتجازه السيئة المظلمة  والمعاملة غير الآدمية التي يتلقاها السجناء، في رسائل بعثها إلى أوليفر كروميل، وتشارلز الثاني.

كثيرٌ من الكويكرز الأوائل أيضًا تعرضوا للسجن بسبب معتقداتهم، وشهدوا أحوال السجون المميتة بعينهم. كانت فلسفتهم في إصلاح السجون، تتلخص في أننا جميعًا أبناء الله، حتى مرتكبي الجرائم، الذين ينبغي تقويمهم وليس عقابهم.

وأبرزالكويكرز أيضًا كانت إليزابيت فري، بدأ نشاطها عندما زارت عددًا من السجون، بشكل دوري، لتجد أكثر من 300 سجينة وطفل مكدسين في زنزانة واحدة، يفترشون الأرض للنوم، أمدتهم السيدة بالملابس، وشيدت مدرسة ومصلى كنسي بالسجن، كما شيدت مدارس لأبناء المسجونات، وهي صاحبة فكرة فصل سجون النساء عن الرجال، بدأت النساء في تنفيذ أعمال تشبه الأعمال المنزلية، أما الرجال فكانوا يُرسلون للعمل في الحقول.

في نهاية القرن الـ19 وبسبب كثرة الغضب حول أحوال السجون القاسية، نشأت حركات أقامت على عاتقها، إعادة تعريف معنى تأهيل السجين، عن طريق التعليم والعمل، وتقديم الدعم للسجين، وابتكار طريقة خروج السجين قبل انتهاء مدته، لحسن السير.

في 1930 ظهرت منشآت جديدة، وسجون حالتها جيدة كان منها سجن سان كوينتن، كان الغرض الأساسي هو تصميم منشآت تسمح هندسيًا بدخول ضوء النهار بصورة أفضل، وتحسّن مناخ السجن القاسي.

وفي عام 1950 تبنى علماء نفس معاصرون وعلماء اجتماع، ومستشارون، مسئولية «علاج» السجناء، وتبع ذلك إعلان قانون معاملة السجناء في عام 1955، والذي تضمّن المبادئ الأساسية لحقوق السجين، وبوحي منها، صمم المهندسون سجونًا أقل رهبة وترويعًا.

لماذا نشأت السجون؟ وهل نجحت باعتبارها طريقة عقابية؟

«من التعذيب في ساحة المدينة، ووسط الجماهير المتلذذة كل لذائذها الصاخبة والخفيّة، ومن التعذيب بفسخ اليدين، والرجلين، وتقطيع اللحم والعظم، بكل الأدوات الأركيولوجية والمستحدثة، إلى تعذيب آخر موصوف بالهادئ والناعم، بسجن روح هذا الجسد»، هكذا يرى ميشيل فوكو قصة ولادة السجن في كتابه المراقبة والمعاقبة  

ويقول عن التحول التدريجي للسجن؛ إن ما سبق السجن تاريخيًا كان العرض اليومي، للمحكومين المقيدين بالسلاسل، وهم يقومون بالأعمال الشاقة، لكن أصبحت العقوبة «ناعمة» في رأيه ليس لأسباب إنسانية، ولكن لأن الإصلاحيين كانوا غير راضين عن عنف السيادة غير المتكافئ وغير العادل، بالنسبة لجسد المدان، ويجب إعمال العقل للاستفادة من هذا الجسد في عملية الإنتاج.

ويفسر فوكو نشأة السجون، بأنها شكل بديهي للعقاب في المجتمعات الصناعية، واعتمد وجوده على المساواتية بين الجميع، لأن الحرية أحد أهم أشكال حداثته، وهي قيمة مشاعة بين الجميع، كذلك، يحدد المشرّع هذه العقوبة بحسب متغير الوقت، فلذلك فكرة السجن تمثل بداهة اقتصادية تقيم بالمال العقوبات بالأسابيع والأشهر والسنوات، ويقدّر الجرم بالمدة.

كذلك بداهة السجن  في رأيه تأتي من أنه جهاز لتغيير الأفراد، باتباع نظام صارم يقومّ سلوكهم، لخضوعهم لنظام في حياتهم اليومية، بدءًا من الأكل والنوم والراحة.

النقطة الثالثة التي فسر بها فوكو سبب نشأة السجن هي الشعور بالندم، فانعزال المسجون عن العالم الخارجي؛ يعزز التفكير في جرمه، وشعوره بالألم، فتمثل العزلة نوعًا من التنظيم الذاتي للعقوبة.

لكنه يرى على الجانب الآخر فشل هذه المنظومة العقابية، فالسجون لم تخفّض معدل الجرائم، ولم تنجح باعتبارها وسيلة ردع عام أو خاص، فالمجرمون الجدد هم عادةً مجرمون سابقون، فأصبحت وظيفة السجون تتلخص في إعادة تدوير الجرائم.

هل يمكن للعقوبة أن تكون خارج أسوار السجن؟

يتكبّد المجتمع عبئًا اقتصاديًا بسبب السجون، لذا تقترح بعض الدراسات، ضرورة وجود بدائل للتخفيف من استخدام السجن، ووجود تدابير بديلة للأحكام الاحتجازية، خاصةً لمن يقضون مدة عقوبة قصيرة، وتقترح هذه الدراسات أن تصدر السلطات أحكامًا تتمثل في عقوبات شفوية مثل التوبيخ، أو التحديز والإنذار، أو إخلاء السبيل المشروط، العقوبات الاقتصادية والجزاءات النقدية، كالغرامات، أو الأمر بمصادرة الأموال ونزع الملكية، أو الأمر برد الحق إلى المجني عليه، أو تعويضه، أو الحكم مع وقف النفاذ، أو الوضع تحت الاختبار والإشراف القضائي، أو الأمر بتأدية خدمات للمجتمع المحلي.

المصدر : ساسة بوست