أميركا والسعودية الإرهاب المعولم والإرهاب الملائم (النائب الدكتور فريد الخازن)
أميركا والسعودية الإرهاب المعولم والإرهاب الملائم (النائب الدكتور فريد الخازن)

لم يكن منتظرا من الاحتفالية العامرة التي طبعت زيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية سوى الحصاد الوفير. وكان لا بد من تصحيح العلاقات الاميركية - السعودية بعد الانتكاسة التي أصابتها في عهد الرئيس أوباما. وهي المهمة الاسهل في السياسة الخارجية الاميركية بين القضايا الشائكة، ولا سيما منها أوكرانيا وكوريا الشمالية وسوريا. معاداة ايران لا ترتّب أثماناً باهظة بالمقارنة مع الملفات الاخرى. ولا جهد مطلوباً لاقناع الادارة الاميركية والكونغرس بمسؤولية ايران عن الارهاب العالمي، كما جاء في كلام ترامب في السعودية. ولمزيد من التبرير والتوتير، اسرائيل جاهزة للاسناد بكل الوسائل المتاحة. 

 

واشنطن أصابت عصافير عدة بحجر واحد. فبالاضافة الى تحسين العلاقات الاميركية- الخليجية، تستوفي إيران الشروط المطلوبة "كعدو مشترك" لاصحاب الدار والزوار. والقمة مفيدة لتبييض صفحة الرئيس ترامب بعد كلامه التحريضي عن الاسلام. ولعل الدافع الاهم لتعزيز العلاقات الثنائية من منظار الرئيس الاميركي مُنطَلَقه المال والاعمال. عين الرياض على شراكة متينة مع واشنطن، وعين ترامب على الشركات وارباحها ولتأمين فرص عمل للاميركيين، أبرز وعوده الانتخابية. 

 

وللسعودية دوافع وحسابات. لعل القمة الاخيرة هي الاهم منذ لقاء الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت في 1945. في تلك الحقبة، كان النفط محوريا في العلاقات السعودية - الاميركية والحرب العالمية الثانية في نهايتها. أما اليوم فالمسائل مختلفة: النفط استُبدل بالارهاب والاتحاد السوفياتي بايران. والدعم الاميركي مطلوب في حرب اليمن وفي سياق محاور النفوذ في المملكة. والزيارة كانت مناسبة للفصل بين الاسلام والارهاب وللتأكيد ان الاعتدال ممكن بوجه التطرف. 

 

الوعود وصفقات الاسلحة والعقود التجارية (والهدايا) بالمليارات تطمئِن وترفع منسوب الثقة بين الطرفين، الا انها ليست بديلاً من موازين القوى السياسية والعسكرية الاقليمية. فلكل ازمة في المنطقة أسبابها وأهدافها وأطرافها المؤثرون. التمدد الايراني حصل، ولم تخفِ ايران طموحاتها منذ عقود، واستفادت من ظروف مؤاتية ومن عثرات الغير منذ حرب العراق في 2003 الى اليوم. 

 

العنوان الابرز في القمم المتتالية التصدي للارهاب. والمقصود بالارهاب ايران، بينما الارهاب المعولم يقوده "داعش" وتنظيمات أخرى، أبرزها "جبهة النصرة" التي بدّلت اسمها لضرورات المرحلة. الا ان تحاليل DNA لا تخطئ، وهي تكشف مصادر الارهاب المحترف، من الجيل الاول في هجمات 11 ايلول الى الجيل الثاني في الاعتداء الاخير في مانشستر. أما الانتقائية في تعريف الارهاب لأغراض سياسية فلا حدود لها: من منظمة التحرير الفلسطينية "الارهابية" الى حين توقيع اتفاق أوسلو، الى "حماس" و"حزب الله" راهناً، وصولاً الى توصيف الدول بالارهاب، وهذه مسألة أُخرى. 

 

في المقلب الآخر، تل ابيب قلقة من التسرّع الاميركي، لجهة السلاح ونوعيته، ولن تستكين قبل حمل الكونغرس على وضع القيود اللازمة للحفاظ على التفوق النوعي الاسرائيلي. التنسيق الاميركي- السعودي في المجالات العسكرية والامنية والضغوط على ايران شيء واتفاق فيينا النووي شيء آخر، وسقف واشنطن حدوده التشدد في تنفيذ الاتفاق وليس إلغاءه. 

 

ولكي تكون فاعلة، حملات التصدي للارهاب تستند الى عاملي الثقة والصدقية. ففي حين ان الثقة يمكن تطويرها، فإن الصدق في الالتزام أصعب، وخصوصاً عندما تسود البراغماتية وحسابات الربح والخسارة في ميزان العلاقات بين الدول، ومع رئيس أميركي يتعرض لتحديات ضاغطة لا من المعارضة فحسب بل في الادارة والمؤسسات المرتبطة بها. فلا شرق أوسط جديداً اليوم ولا مشاريع لنشر الديموقراطية. المطلوب القضاء على الارهاب على قاعدة ان ايران مصدره. الا ان "الحقل" في مكان و"البيدر" في مكان آخر. فاذا استثنينا "محور الشر" الايراني الجامع بين أميركا وبعض دول الخليج، فان الارهاب الذي تعانيه مصر، من سيناء الى القتل في الكنائس، يختلف عن الارهاب في ليبيا وتونس والعراق. وفي تركيا يتمثل الارهاب بالاكراد وفي اسرائيل بالفلسطينيين. ولروسيا ارهابيوها، كما للدول الاوروبية وسواها. 

 

أَصابت البيانات الرسمية في تأكيدها ان محاربة الارهاب لا تتم فقط بالوسائل العسكرية. فالتصدي المجدي يبدأ بـ"تجفيف منابع" الارهاب الفكرية. وهذا يعني عمليا ان الجانب الاميركي لا يقدم ولا يؤخر لان الارهاب الضارب اليوم يرتبط بالتطرف في تفسير النصوص الدينية لتبرير العنف التكفيري. وفي هذا المجال، ترامب لا معرفة لديه ولا صبر ولا اهتمام. 

 

ارهابيو العالم في السنوات الأخيرة جاؤوا من أماكن معروفة ومن بيئات لا تمت بصلة الى أميركا أو الى حلف شمال الاطلسي، المتخصص في الدفاع والامن لا في الشؤون الدينية. هذا تحدّ يخص الدول العربية والاسلامية التي اجتمعت في الرياض. فاذا وضعنا جانبا الشعارات ومظاهر الاحتفالية، يتبيّن ان المشترَك بين أميركا والسعودية وضيوفها الكثر في معركة التصدي للارهاب لا يتطلب دعماً أميركياً ولا أحلافاً عسكرية بقدر ما يتطلب ارادة وتصميماً لاستئصال الارهاب الفعلي لا الارهاب الملائم في سياق تموضعات سياسية مريحة وان لم تكن دائما مربحة.

المصدر : التيار الوطني