ماذا لو كنت أنا الجاني؟!
ماذا لو كنت أنا الجاني؟!

هل شاهدت يومًا إحدى حلقات مسلسل «ريمي» علي قناة «اسبيستون»؟ إذا كانت إجابتك نعم، فإنه بالطبع قد أثار مشاعرك كم الإيذاء الذي تعرضت له ريمي، وكنتَ ترتعد خوفًا وتحيزًا لما يحدث لها، وتصورت كيف سيكون حالك إذا كنتَ محلها، فارتعد قلبك من فرط الإيذاء والظلم. هل حدث هذا؟ بالطبع قد حدث. ولكن دعنا ننظر إلى ريمي من منظور آخر؟ ماذا لو لم تكن محل ريمي؟ ماذا لوكنت أنت الجاني؟!

دعنا نترك كوكب زمردة، ونعُدْ إلى كوكب الأرض، خاصة المجتمعات العربية. هناك ظاهرة ما تنتشر وتستفحل في ضواحي وأرجاء حياتنا، إنها ظاهرة الـ Bullying أو كما يسميها معشر المترجمين «التنمر»، خاصة في المدارس، وبين الطُلاب في جميع المراحل. وجاء هذا اللفظ من نَمِرَ الشخص: إذا غضب، وساء خلقه، فأصبح غاضبًا كالنمر. وغالبًا ما يكون للتنمر أشكال متعددة، سواء بدنيًا، أو لفظيًا، أو إلكترونيًا، أو علاقات شخصية، وغالبًا ما يوصف التنمر في كثير من الأحيان على أنه شكل من أشكال المضايقات التي يرتكبها المسيء الذي يمتلك قوة بدنية أو اجتماعية وهيمنة أكثر من الضحية. والسؤال هنا، كيف نشأ إحساس القوي بهذه الهيمنة؟!

في بيت ما، تعيش عائلة مكونة من أب، وأم، وطفل يبلغ من العمر حوالي 7 سنوات، يأتي كل يوم إلى أمه مفطورًا بالبكاء لما تعرض له من زملائه من مضايقات، وهنا يأتي دور الأم، فتنصح ابنها قائلة بحزم: لن ترتفع أنفك إلا بكسر أنوفهم، ولن تأخذ حقك إلا برد صفعاتهم. فينمو الطفل معتقدًا، بل مؤمنًا، أن البقاء للأقوى، ومن هنا نشأ مصطلح الدنيا غابة، ونحن مَنْ أنشأناه.

ومن الأسباب الأخرى التي ساعدت على نشأة ظاهرة التنمر، هو غياب الرعاية الإجتماعية والمنزلية في المدارس والأسرة، وأشهرها غياب المرشد النفسي، وانعدام تأثيره وإنشغاله عن الطلاب، وكذلك الآباء الذين يتعاملون مع تلك الحوادث على أنها شقاوة أطفال وانتهى الأمر. ولكن الأمر لا ينتهي؛ فهنا وعند هذه النقطة تحديدًا، عندما تهمل مشاعر الطفل، وتتهاون فيما يتعرض له؛ يحدث الانفجار، ويتحول الشخص من ضحية إلى جانٍ. هذا الجاني قد يفرغ غضبه في الانتحار، أو يفرغه في التنمر على أطفال آخرين، أو عندما يكبر يفرغه في أولاده.

ومن أسباب التنمر أيضًا الجهل، إذا رأى شخصٌ ما شخصًا غيره مختلفًا عنه، ويجهل سبب هذا الاختلاف؛ فإنه يؤذيه، قد يكون هذا الاختلاف مرضًا، أو هيئة، أو طريقة تحدث، أو عادات وتقاليد أخرى، أو تفوقًا دراسيًا، أو اجتماعيًا، أو غير ذلك.

ومن تلك الأسباب، جئنا ببعض ما تعرضه السينما ويصدق به الواقع، يوضح لنا ما يشعر به الضحية، وكيف يرى الجاني سلوكه:

موقف 1

في المسلسل الأمريكي الشهير Friends، ظهرت الممثلة جوليا روبرتس كضيفة شرف في إحدى حلقات الموسم الثاني علي أنها صديقة تشاندلر من المدرسة الابتدائية، وتحكي الحلقة أنهما عندما كانا صغيرين حدث بينهما موقف ما، عندما ربط تشاندلر طرف فستانها في مسمار؛ فانكشفت ملابسها، وظهر ما تحتها، وعندها بدأ كل الأطفال في الضحك لما حدث لها، وعندما ذكرته بهذا الموضوع، كان رده بسيطًا مؤلمًا لها: لقد كان شيئًا تافهًا من الماضي، كنا صغارًا، ولكن في آخر مشاهد الحلقة، قررت الانتقام لما حدث سابقًا، وبغض النظر عن الطريقة، فالسبب من أجل انتقامها كان أن هذه الحادثة لازمتها حتى أصبح عمرها 18 عامًا عندما تركت المدرسة، ولازمت اسمها أيضًا. وعلي الرغم من أن الحادثة قد مر عليها أكثر من 18 عامًا، إلا أنها لم تغفلها يومًا ما؛ لأنها – وبكل بساطة أعزائي – قد تعرضت للإهانة والتنمر.

موقف 2

إذا كنت قد شاهدت المسلسل الأمريكي الذي اجتاح ساحات الدراما في الأونة الأخيرة، وهو 13 Reasons Why! فإنك ستعلم جيدًا أن التنمر كان أهم الدروس المستفادة من هذه السلسلة، ولكننا لسنا هنا لنلقي الضوء على الضحية هانا بيكر، بل لنرَ كيف يشعر الـ 13 متنمرًا، وكيف عرضت لنا هذه السلسلة 13 نوعًا مختلفًا من أنواع التنمر.

تقول القاعدة: مَنْ أمِنَ العقوبة أساء الأدب. ولذا لا يدرك المتنمر ما يفعله، حتى وإن كانت عواقب ما يفعله وخيمة، كانتحار الضحية، وبالمناسبة العلاقة بين التنمر والانتحار وطيدة وطردية، وكلما زادت هيمنة المتنمر وقوته، ازداد جهله ولامبالاته بما يفعله، ولكن قد ينكسر البعض كما شاهدنا بعض المتنمرين في حلقات المسلسل، عندما أدركوا أن ما فعلوه لم يكن مزحة، ولم يكن يومًا ما إلا سلوكًا سيئًا. وبالفعل قد فكر أحدهم خارج الصندوق، وقال: ماذا لوكنت أنا الجاني؟ لمَ أكون دائمًا الضحية؟

في بعض الدول والبلدان سنت الحكومة قوانين للتنمر، ومنها سنغافورة التي وضعت غرامة 15 ألف دولار، وسجنًا لمدة عام جزاءً للمتنمر وأهله، وكذلك في بعض الولايات في أمريكا وكندا، ولكن عندما ننظر إلى مجتماعتنا العربية، لا نرى وعيًا كافيًا بهذه الظاهرة، فعندما تم إجراء بحث على موقع Amazon.com عن الكتب التي تتحدث عن التنمر، وجدنا 5 كتب عربية فقط! هل يُعقل!

مع كل هذه التوعية، مازال لدينا تساؤلات كثيرة، هل لدينا الجرأة لنعترف أننا جناة بشكل أو بآخر؟ هل لدى كل أب وأم الجرأة أن يعترفوا بتقصيرهم في تربية أبنائهم حتى وصلوا لما عليه الآن؟ هل يمكننا تعويض الضحايا لما أصابهم ولو بعد حين؟ وهل يُجدي الاعتذار؟

إذا كنتُ الجاني فسأقول: نعم يمكنني تعويض الضحية، فالصفح والعفو أكرم.

وإذا كنتُ الضحية سأقول: لا يمكنك التعويض، ولا يجدي الاعتذار، ولو استمر مائة عام مما تعدون. فما يحدث في الصِغَر، نرى أثره في الكِبَر.

المصدر : ساسة بوست