تركيا والخطأ الاستراتيجي في سوريا
تركيا والخطأ الاستراتيجي في سوريا

لم يكد يمضي من عمر الثورة السورية إلا أيام قليلة حتى أعلنت الحكومة التركية ودون مواربة عن موقفها فيما يدور من أحداث في ذلك البلد المحاذي لحدودها، وقد كان موقفًا مماثلًا لمواقفها من جميع ثورات الشعوبة العربية وهو الدعم والتأييد ودعوة الحكومات الديكتاتورية إلى الاستماع لأصوات شعوبها وتجنب العنف بجميع وسائله.

أيدت تركيا ثورة الشعب السوري ومنذ اليوم الأول طالبت الرئيس السوري بشار الأسد بالاستجابة لمطالب الشعب المشروعة، ومن الممكن تفهم موقف الحكومة التركية ورد فعلها السريع تجاه الأحداث في سوريا في سياق أن هذا البلد هو في الحقيقة يمثل جزءًا من الأمن القومي التركي، فبغض النظر عن أن سوريا تقع على الحدود مع تركيا وأن هناك ما يقرب من 400 كيلومتر من الحدود بين الدولتين وما يمثله من تحديات كبيرة لتركيا إلا أنه في الواقع كانت هناك الكثير من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية بين الجانبين وعلاقات متبادلة على مختلف المستويات وصلت إلى حد لعب تركيا دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل في تلك المفاوضات غير المباشرة للسلام والتي كان معظمها يتم على الأراضي التركية.

لكن هل حقًا أدت الدور المنوط بها في تلك الأزمة؟

لا أخفي إعجابي بمواقف الحكومة التركية المبدئية من ثورات الربيع العربي ودعمها الواضح والصريح لثورات الشعوب بل وتقديمها كل الدعم المادي والعسكري للثوار بالإضافة لاستقبال ملايين اللاجئين السوريين حتى وصل ذلك  الدعم  لاستقبال أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري داخل الأراضي التركية، رغم كل ما جنته من التعرض لسهام تلك الأنظمة المستبدة من هجوم إعلامي على نطاق واسع وصولًا إلى حد تورط بعض تلك الأنظمة القمعية في محاولة انقلاب فاشلة قام بها مجموعة من ضباط الجيش التركي لإسقاط الحكومة التركية المتتخبة وعلى رأسها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عرف بعدها أن دولة عربية نفطية خصصت أكثر من 3 مليارات دولار لدعم تلك المحاولة الفاشلة.

لكن وعلى الرغم من ذلك الإعجاب فقد أدهشني سلوك الحكومة التركية في التعامل مع حدث مهم وأزمة كبيرة كانت وما زالت سبب معاناة ملايين السوريين بل والأتراك أنفسهم باعتبارهم أكبر المتأثرين من حالات النزوح الجماعي للسوريين جراء الحرب الدائرة في بلادهم حيث استضافت تركيا وحدها أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري حتى الآن وما يمثله هذا العدد من تحديات جمة لأي دولة مستضيفة له.

لقد أخطأت الحكومة التركية خطأ استراتيجيًا دفعت وما زالت تدفع بسببه ثمنًا باهظًا إذ ربطت (قرنت) كل خطواتها في ذلك الملف بالخطوات الأمريكية على اعتبار أنهما دولتان حليفتان وعضوان مؤثران في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

تباطأ الأتراك في اتخاذ خطوات واضحة كانت في حينها يسيرة بالتدخل المباشر في سوريا لتأمين مصالحها ومصالح من دعمتهم من الثوار السوريين معتبرين أن الأمور ما زالت تحت السيطرة وأنها وحليفتها الأمريكية ما زالتا تمسكان بالكثير من خيوط تلك الأزمة.

أوهام سرعان ما تبددت إثر توالي متغيرات ضخمة على الساحة السورية نزلت كل منها على تركيا نزول الصاعقة؛ فبعد المواقف الغامضة والمتذبذبة للولايات المتحده تجاه الأزمة فتارة تدعو بشار الأسد للتنحي وتارة تعتبره جزءًا من الحل، ومرة تعلن دعم فصائل سورية مسلحة (معتدلة) ثم تعلن توقف ذلك الدعم لوصوله لأيادٍ تتخذ من أمريكا عدوًا، ثم لم تلبث أمريكا أن استبدلت بكل تلك الفصائل السورية المسلحة فصيلًا قوميًا كان بعيدًا كل البعد عن الثورة السورية واختصته بكل ألوان الدعم المادي والعسكري وصل إلى حد يفوق الدعم الأمريكي لبعض الجيوش النظامية كمًا وكيفًا، ألا وهم الأكراد السوريون ممثلين في قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية وامتدادًا لحزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي شنت الحكومات التركية المتعاقبة حربًا ضروسًا عليه استمرت زهاء 30 سنة أو أكثر.

في خضم تلك الهزات المتتالية التي وقعت فيها تركيا من مشاكل أمنية على حدودها السورية إلى حربها على داعش الذي استهدف الداخل التركي بالكثير من التفجيرات الدموية أخذًا بالاعتبار أنها أصلًا في حرب داخلية مع حزب  العمال الكردستاني في الجنوب والجنوب الشرقي التركي، وفي أثناء كل هذه الأحداث أعلنت روسيا عن تدخلها العسكري المباشر في سوريا وبررت ذلك بأنه استجابة لطلب رسمي من الحكومة الشرعية السورية ممثلة في نظام الرئيس السوري بشار الأسد مما عقد الأمور أكثر لتوضع تركيا في موقف صعب لا تحسد عليه عقد المشهد برمته وأعاق كل خطوة كان من الممكن أن تخطوها تركيا إزاء تلك الأزمة.

أيقنت تركيا ولو متأخرًا أن عليها وضع أجندة خاصة بها ترتب من خلالها خطواتها في ذلك الملف وبعيدًا عن كل القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة ولكن وللأسف بسقف طموحات أقل.

فبعد أن أخذت تركيا ومنذ بداية الأزمة تطالب الأسد بالتنحي أدى تباطؤها في التحرك بفاعلية في المشهد السوري إلى دخول أطراف أخرى على خط الأزمة مما عقد المشهد ومثل خطرًا كبيرًا على مصالحها القومية داخل سوريا، أصبح أكبر آمال الأتراك هو منع قيام كيان كردي قوي في الشمال السوري وما يمثله ذلك من خطر كبير على وحدة الجمهورية التركية ووجودها، إذ إن تركيا يسكنها ما يقارب 15 مليون كردي في حوالي 12 ولاية وهو ما يعني احتمالية مطالبة بالانفصال على غرار أقرانهم في وجود من يطالب بهذا الانفصال أصلًا (العمال الكردستاني) لتتحرك تركيا بعملية عسكرية كبيرة أطلق عليها (درع الفرات) داخل الأراضي السورية سعيًا منها لوقف الزحف الكردي داخل الأراضي السورية قبل أن يصل إلى حدودها.

أزعم أن هذا التدخل قد حقق نجاحات كبيرة فبعد أن سيطرت على أكثر من ألفي كيلومتر مربع وتحريرها مناطق مهمة وتحديدًا مدينة جرابلس.

أقامت تركيا ما يشبه القواعد الدائمة داخل الأراضي السورية وهي مسلحة بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة لكنها لم تسقط النظام السوري ولم تمكن لحلفائها الثوار، فشتان بين ما حققته تركيا في 2017 وبين ما كانت تطمح لتحقيقه منذ 2011.

المصدر : ساسة بوست