«الجارديان»: لماذا يصعد اليمين القومي في أوروبا وتنحسر الاشتراكية الديمقراطية؟
«الجارديان»: لماذا يصعد اليمين القومي في أوروبا وتنحسر الاشتراكية الديمقراطية؟

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا للكاتب جوزيف جوفي، يتحدث فيه عن صعود اليمين في أوروبا، في ظل انحسار الديمقراطية الاشتراكية، ويقف الكاتب على أسباب هذا الصعود.

يقول الكاتب في مستهل مقاله، أنه في خلال السبعين عامًا الماضية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، كانت ألمانيا هى الديمقراطية الأوروبية الوحيدة التي خلت من أحزاب يمينية قومية ذات ثقل سياسي. حاول النازيين القدامى، والجدد اختراق الحياة السياسية خلال العقود السبعة الأخيرة، لكنهم فشلوا واختفوا واحدًا تلو الأخر، حيث هيمنت أحزاب يمين ويسار الوسط على الحياة السياسية الألمانية طوال تلك السنوات، مثل الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي ذي الطابع الإصلاحي (SPD)، اللذين تناوبا على الحكم، وتشاركا فيه معًا على فترات.

أما الآن – يضيف الكاتب – فالوضع تبدل تمامًا فألمانيا أصبحت تسير مع التيار السائد في الدول الأوروبية من البرتغال غربًا حتى بولندا شرقًا، فمع صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا»، واحتلاله المركز الثالث في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة، أصبح الألمان يعيشون حاليًا في مناخ سياسي مختلف تمامًا عما عاصروه خلال جيلين كاملين منذ زوال الرايخ الثالث.

فحزب «البديل من أجل ألمانيا» يمتاز كبقية نظائره من الأحزاب الأوروبية التي تحمل نفس توجهاته السياسية، والفكرية بأنه يضم خليط من السياسيين الألمان الذين يعادون ويتحدّون الأحزاب اليسارية، واليمينية التقليدية – يقول الكاتب – والتمرد على خطابها المتوازن سياسيًا، كما أنه يعادي الأقليات التي تحمل أفكار ومعتقدات شمولية؛ مما أدى إلى اتهامه من قبل مدافعي سياسة التعددية الثقافية بأنه حزب يروج لأفكار عنصرية، لكن مؤخرًا تسرب القلق إلى عدد من القوى اليمينية، واليسارية على حد سواء تجاه قضايا الهجرة، والعولمة، التي تكون مقرونة دائمًا بالعداء تجاه سياسات ومعايير بروكسل.

اقرأ أيضًا: صعود اليمين المتطرف في انتخابات ألمانيا.. العنصرية تغزو العالم

تآكل لشعبية يمين ويسار الوسط في أوروبا

يشير الكاتب إلى التقديرات التي تقول أن 34% فقط من إجمالي عدد المصوتين لحزب «البديل» في الانتخابات الأخيرة يؤمنون بأفكار وتوجهات الحزب عن قناعة، أما نسبة الثلثين الآخرين فقد أقدموا على إعطاء أصواتهم لـ«البديل» نتيجة إحباطهم من سياسات الأحزاب الألمانية التقليدية، وينطبق هذا الحال أيضًا على بلدان أوروبية أخرى، التي يقدم عدد من ناخبوها الذين يصوتون للأحزاب اليمينية القومية على رفع شعار «نحن تمت خيانتنا والتخلي عنا».

لكن هذا الشعور الذي ينتاب هؤلاء الناخبين –يضيف الكاتب- يسلط الضوء على جزء أكبر من المشهد السياسي الأوروبي ألا وهو« التآكل» المتواصل للقاعدة الشعبية والانتخابية لأحزاب يمين ويسار الوسط التي حكمت ألمانيا وأوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وبالعودة إلى الانتخابات الألمانية الأخيرة يتضح أن التحالف الانتخابي بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وشقيقه الأصغر الحزب المسيحي الاجتماعي بقيادة أنجيلا ميركل، قد نالا الضربة الأكبر خلال الانتخابات الأخيرة، إذ فقد التحالف 8 نقاط ونصف مقارنة بانتخابات عام 2013.

أما ثاني أكبر الأحزاب شعبية في ألمانيا «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» ففقد 5% من النقاط ليحقق 20.5% من أصوات الناخبين، وهي أقل نسبة حققها الحزب منذ عودته للعمل السياسي مرة أخرى عام 1945، وهو الحزب الذي حقق أعلى نسبة في تاريخه عام 1972 عندما حصل على 45.5% من مجمل الأصوات في عهد زعيمه السابق فيلي برانت .

ويرى الكاتب أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي سيتحتم عليه النضال من الآن من أجل عدم اضمحلاله على المدى الطويل، فالمؤشرات تشير إلى تقلص شعبية الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية في جميع أنحاء أوروبا. ففي إيطاليا لم يعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي (PSI) قويًا كسابق عهده.

أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي الفرنسي فكان له من القوة سابقًا القدرة على الدفع بكلًا من فرنسوا ميتيران، وفرنسوا أولاند إلى داخل قصر الإليزيه، لكن الوضع تغير خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة فلم يستطع الحزب الحصول سوى على 6.4% من أصوات الناخبين الفرنسيين. وفي الدول الإسكندنافية تعرض اليسار المعتدل إلى الهزيمة، فالنرويج تحكم الآن من خلال المحافظين، والشعبويين القوميين، أما السويد فتحكم من قبل يمين الوسط.

وفي هولندا – يستطرد الكاتب – فقد هوت شعبية حزب العمال الهولندي (PvdA) من 19% إلى أقل من 6% خلال خمس سنوات، ونفس المصير لاقى حزب الحركة الاشتراكية اليونانية (PASOK)، وللنظر إلى المشهد بشكل كامل سنتخيل خريطة أوروبا أمامنا منذ 20 عامًا مضت، والتي كانت مغطاة بشكل شبه كامل باللون الأحمر، وهو اللون المميز للأحزاب والحركات الاشتراكية الديمقراطية حول العالم، أما اليوم ففقط خمس ديموقراطيات أوروبية هي التي بقت مصبوغة باللون الأحمر.

وإذا نظرنا أبعد من ذلك، سيتخيل لنا من النظرة الأولى أن الحالة البريطانية تمثل استثناءًا بسبب نجاح حزب العمال البريطاني بقيادة جيرمي كوربين من تقويض مساعي حزب المحافظين من الحصول على الأغلبية داخل البرلمان، بعد حلوله في المركز الثاني بفارق ضئيل عن حزب المحافظين، ولكن إذا أمعنَّا النظر قليلًا –يقول الكاتب- سنجد أن المزاج العام للناخبين الذين أدلوا بأصواتهم لصالح حزب العمال كان يتجه في الأساس إلى معاداة سياسات تيريزا ماي زعيمة حزب المحافظين، وليس إلى القناعة والتأييد لسياسات وبرنامج حزب العمال.

وينتقل الكاتب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يرى أن الديموقراطيين أفضل حالًا بكثير مقارنة بنظرائهم الأوروبيين، بعد حصولهم على الأغلبية في التصويت الشعبي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي خسروها، لكن في المقابل ومنذ فوز باراك أوباما في ولايته الأولى عام 2008، استطاع الجمهوريين حصد ألف مقعد إضافي في المجالس التشريعية للولايات، بالإضافة إلى ذلك بلغ عدد حكام الولايات المتحدة الأمريكية المنتمين إلى الحزب الجمهوري 34 حاكمًا من إجمالي 50 حاكم. كما أن دونالد ترامب الذي انتقل إلى البيت الأبيض مؤخرًا سوف يشعر بالرضا مع صعود لوبين في فرنسا، وفيلدرز في هولندا، والبديل في ألمانيا.

اقرأ أيضًا: مترجم: من الليبرالية للتطرف والانهيار.. كيف تتشابه أمريكا ترامب ومصر عبد الناصر؟

لماذا يتمدد التيار الشعبوي القومي في أوروبا؟

وكما أن الاشتراكية الدولية كانت فخورة يومًا ما بهيمنتها على المسرح السياسي الدولي – يضيف الكاتب – يبدو أن الوضع اختلف الآن مع تمدد التيار الشعبوي القومي على المستوى الدولي من المحيط الهادي حتى بحر البلطيق، لكن ما الذي أدى إلى ذلك ؟

تاريخيًا تزامن وصول الاشتراكيين الديمقراطيين إلى السلطة بحراك وصعود الطبقة العاملة وبروزها كقوة مؤثرة في المشهد السياسي لعدد من الدول، أما الآن فقوة هذه الطبقة بدأت في التراجع جنبًا إلى جنب مع تراجع نسب مشاركة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي، فخلال الخمسين عامًا الماضية انخفضت مساهمة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي من 35% إلى 15% في معظم الدول الاجنبية.

ونتيجة لذلك – يقول الكاتب – فالتيار اليساري الإصلاحي يخسر قاعدته الشعبية المتمثلة في العمال، ويظهر ذلك جليًا من خلال الانتخابات الأخيرة. علاوة على ذلك فالتيار اليساري الإصلاحي يخسر أيضًا الميزة التسويقية التي طالما اعتمد عليها في خطابه السياسي ألا وهي إعادة توزيع الثروة، ودولة الرفاهية التي تقدم جميع الخدمات الأساسية للمواطنين.

ويضرب الكاتب مثالًا بـ مارتن شولتز، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والمرشح لمنصب المستشارية في الانتخابات الألمانية الأخيرة، ويقول إننا سنجد أن الشعار الانتخابي الذي اعتمد عليه خلال الانتخابات هو تطبيق «العدالة الاجتماعية»، وهو الأخذ من الأغنياء وإعطاء الفقراء من خلال فرض الضرائب، والفوائد على تلك الطبقة.

ولكن إذا نظرنا اليوم – يستطرد الكاتب – سنجد أن طبقة العمال في ألمانيا أصبحت تنتمي إلى الطبقة الوسطى، كما أن أعلى شريحة ضريبية من الممكن أن تطبق في ألمانيا تصل إلى 50 ألف يورو سنويًا، وهو ما يمثل راتبًا سنويًا لمعلم من المستوى الأول، أو عامل ماهر.

تلك الشرائح الاجتماعية المشار إليها لا تتطلع إلى المزيد من الضرائب، خاصة في دولة تقوم حكومتها بالحصول علي نصف الناتج المحلي الإجمالي. عدم المساواة في الدخل في ألمانيا، قياسًا بمؤشر «جيني» للعدالة الاجتماعية، أقل مقارنة بفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، لذا فعلى الحزب «الاشتراكي الديمقراطي» -يقول الكاتب- أن يجد لنفسه ميزة تسويقية أخرى ليروج لنفسه بها داخل صفوف الناخبين الألمان، لكن حتى تلك اللحظة فالحزب محاصر بتقاليده وأعرافه الأيديولوجية.

بالوقــت نفسه – يضيف الكاتب – لا يستطيع الحزب أن يحذو حذو سياسة ترامب القومية المعتمدة على الحماية، وغلق الحدود بسبب اعتماد ألمانيا على الصادرات الخارجية بشكل لا يقارن مع أية دولة أوروبية أخرى. كما لا يستطيع الحزب أن يترك مسألة الدفاع عن المساواة بين الجنسين، أو الأقليات بسبب تأصلها وارتباطها مع الوقت بصورة الحزب الخارجية، وينطبق الشيء عينه مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في العالم الغربي.

ومع حصول حزب «البديل من أجل ألمانيا» على نسبة 13% في الانتخابات الألمانية، يمكن القول أن 87% من الألمان مازالوا يؤيدون الأحزاب الديمقراطية الأخرى القائمة بالفعل، وتعد هذه النسبة مطمئنة مقارنة بالنتائج الأخيرة في الولايات المتحدة وهولندا وفرنسا، باستثناء بولندا والمجر.

المصدر : ساسة بوست

ads