آل سعود.. الاستغلال السياسي للدين (ج1) ابن سعود وإخوان من طاع الله
آل سعود.. الاستغلال السياسي للدين (ج1) ابن سعود وإخوان من طاع الله

ليس يغيب عن أذهان المطّلعين أن الدولة السعودية الأولى نشأت باتحاد الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود فيما يعرف بميثاق الدرعية، على أن تكون للأول الدعوة وأن تكون للثاني الإمارة، كان هذا خلال تأسيس الدولة السعودية الأولى، توالت الأيام وسقطت الدولة السعودية الأولى، جاءت الثانية وسقطت أيضًا إلى أن حان الوقت لقيام الدولة السعودية الثالثة بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (كان يدعى ابن سعود في الأوساط الغربية) الذي استطاع أن يستغل العلماء والفتاوى للوصول إلى مشروعه.

الملك عبد العزيز وإخوان من طاع الله

بقيادة ثلاثة أشخاص هم سلطان بن بجاد شيخ قبيلة العتيبة، فيصل الدويش أمير الأرطاوية وضيدان بن حثلين شيخ العجمان، أسس عبد العزيز بن سعود ما يعرف بجيش الإخوان (إخوان من طاع الله) الذي كان العمود الأساسي للملك خلال حروب توحيد المملكة العربية السعودية (الدولة السعودية الثالثة)، ويعرف عن الإخوان أنهم قبائل بدوية هجروا حياة الغزو والترحال إلى حياة الاستقرار، وكان لعبد العزيز الفضل في هجرتهم، إضافة إلى ذلك كان يعطيهم ما يحتاجون إليه من كسوة ومال وكان يرسل لهم الدعاة «المطاوعة» لتعليمهم الدين، فكان مما تعلموه أنّ أهل الجزيرة العربية (مشركون) يجب محاربتهم لردهم إلى الدين الصحيح، وكانت هذه هي الفتوى التي استعملها عبد العزيز بن سعود لتحريضهم في الحروب واستغلالهم فقادوه إلى عدة انتصارات.

بعدما رأى الملك عبد العزيز حماستهم توجهت أطماعه ناحية الحجاز التي كانت تحت حكم الشريف الحسين، ولوضع غطاء شرعي لذلك دعا الملك عبد العزيز إلى مؤتمر في الرياض في يونيو 1924 يحضره العلماء وقادة الإخوان وكان محور الاجتماع أن الشريف الحسين، يمنعهم أداء فريضة الحج فاستصدر منهم فتوى شرعية بمحاربة الشريف الحسين وانتهى المؤتمر بقرار غزو الحجاز.

بوادر الصدام بين عبد العزيز والإخوان

توسّعت أطماع جيش الإخوان إلى العراق والكويت ولكن الملك عبد العزيز كان قد سبقهم بتوقيع معاهدة «العقير» مع البريطانيين التي تنص على ترسيم الحدود مع العراق والكويت (كانتا تحت الحماية البريطانية)، هنا بدأ الصدام مع الإخوان الذين أرسلوا إلى الملك عبد العزيز أمورًا ينكرون عليه فيها، منها: رفضهم لتوقيع معاهدة «العقير» لأنها موالاة للكفار حسب رأيهم، وعدم قبولهم إرسال الملك عبد العزيز ولده الأمير سعود إلى مصر التي يحتلها الإنجليز النصارى، ويسكنها مسلمون (كفار). وكان قد سافر إليها لتطبيب عينيه، ولتحسين العلاقات المتوترة معها، أيضا عدم قبولهم إرسال الملك عبد العزيز ولده الأمير فيصل إلى مدينة لنـدن، في مهمة سياسية إلى بلد الشِّرك، أضف إلى ذلك رفضهم استخدام السّيارات والبرق (التلغرافات) والهواتف (التليفونات) ورأوا أنها بدع نصرانية من عمل الشيطان، وتقصيره في نشر الدعوة بتوقيف الجهاد الداخلي والخارجي، وكان عبد العزيز قد أصدر عدة أوامر عند تعيينه ملكًا على نجد من بينها أن مسألة الجهاد متروكة إلى الإمام وعليه أنْ يراعي ما هو أصلح للإسلام والمسلمين، فرد عليه الإخوان بقولهم: «كيف كان الجهاد مطلوبًا لما كان يوسع من رقعة حكمه ولم يعد مقبولًا بعد ما صار يتعرض لمصالح الدولة البريطانية وحلفائها؟».

مؤتمر أعيان الرياض

عرف عبد العزيز بن سعود أن الفتوى التي استغل بها الإخوان انقلبت عليه فما كان منه إلا أن أصدر فتاوى جديدة لصالحه، فنادى إلى مؤتمر جديد في الرياض في 5 نوفمبر 1928، اُستدعي له جماعة من الحضر والزعماء الدينيين وممثلين عن الإخوان ، وكان عبد العزيز من الذكاء بما كان حيث قدم في الجلوس (العلماء) ثم الحضر وبعد ذلك أدخل الإخوان (لم يحضر قادة الإخوان خوفًا من غدر عبد العزيز)، نهض الملك عبد العزيز بعد تقديم القهوة، وخاطب المؤتمر مستعرضًا كفاحه وكيف نصره الله بعون منه ومعه أربعون من أصدقائه المقربين، ثم عرض على الاجتماع أن يتنازل عن الحكم لمن يختارونه من آل سعود، ولكنه أوضح للمؤتمر أنه لا يفعل ذلك خوفًا من أحدٍ منهم أو جماعة، وإنما لأنه لا يريد أن يحكم أناسًا لا يريدونه حاكمًا لهم، وأشار إلى أفراد الأسرة المالكة الذين يحضرون الاجتماع، وطلب من المجتمعين أن يختاروا واحدًا منهم لتولي الحكم، وأنه سوف يوافق على قرارهم، ولكنّ المندوبين رفضوا العرض رفضًا قاطعًا، وهم يصيحون «لن نرضى بغيرك بديلًا يحكمنا».

وبعد ذلك مباشرة، وفيما يشبه الأداء المنظم، طلب الملك عبد العزيز من الحاضرين أن يقولوا ما يريدون ووعد بألا يُعاقب أحدًا على ما سيقوله، وعلى الرغم من أن المؤتمر كان قد عُقد من الناحية الشكلية لمناقشة الأخطار التي ترتبت عن انتهاك البريطانيين لبروتوكولات «العقير» وانتهاكهم لسيادة نجد عن طريق الغارات الجوية التي قاموا بها على القبائل، فإن كل من شهد المؤتمر كان يعرف أن موضوعه هو حسم الصراع بين الإخوان والملك عبد العزيز، وتحدث ممثلو العلماء في البداية وأقسموا أنهم لم يكتشفوا قط أي فتور في غَيْرة الملك عبد العزيز على الدين أو إخلاصه لنشر الإسلام، وأردف العلماء قائلين: إنْ كان الملك قد ارتكب بعض الأخطاء، فذاك شيء طبيعي، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الوحيد المعصوم من الخطأ، وإن الأخطاء التي ربما يكون الملك عبد العزيز قد ارتكبها، لا يتاح لشعبه أن يدير له ظهره من أجلها، أو أن يدير هو ظهره لشعبه، واختتم العلماء حديثهم قائلين: «إنهم لم يشهدوا بما قالوه خوفًا من الملك بل إحقاقًا للحق، لأنهم بوصفهم علماء يتعين عليهم إرشاد الناس وتوجيههم».

بعد ذلك تكلم ممثلو الإخوان وأرادوا استيضاح بعض النقاط التي يرون أن الملك عبد العزيز خالف شرع الله فيها (ما ذكرناه سابقا) فرد عليهم العلماء الذين أتى بهم عبد العزيز فيما استشكلوه (لم نرد عرض الردود لكيلا يطول الموضوع أكثر ولكيلا نخرج عن السياق)، أما مسألة المخافر التي أنشأها البريطانيون في المناطق الحدودية بين نجد والعراق، لم يجد العلماء أي مخرج يرضي الملك فوافقوا الإخوان على ما قالوه، صاح الإخوان ابتهاجًا برأي العلماء قائلين: «هل سمعتم ما يقولون. نستحلفك بالله أن تقول لنا رأيك في تلك المخافر، ورد عليهم الملك قائلًا : «أنا أقول : إنّ ما قاله العلماء صحيح، وأقسم أنني سوف أبتُّ في الموضوع».

أحسّ عبد العزيز أن الأمور لا تجري في صالحه فطلب من كل الحاضرين أن يختاروا خمسين شخصًا يتحدثون بالنيابة عنهم في مؤتمر مسائي مغلق، زعم أنه حول مسألة تعطيل الجهاد، يريد من خلاله التوصل إلى بعض القرارات لإنهاء الموضوع، وقال في ختام المؤتمر الصباحي: «أقول لكم جميعًا كبارًا وصغارًا، إنّ حياتنا لن تكتمل إلاّ بالسلام الذي يضمن لنا حقوقنا الكاملة في الدفاع عن حقوقنا وتحقيقها، فإما الانتصار وإما الاحتضار دفاعًا عن مقدساتنا وأمتنا؛ وأنا أقطع على نفسي عهدًا بذلك أمام الله».

انتهى المؤتمر الصباحي بوقوف الأمير سعود، الابن الأكبر للملك، يقدم لوالده الحاضرين من الضيوف، ليُقسِم كلٌّ منهم قسم الولاء والطاعة من جديد، وبعد تناول العشاء اجتمع الملك بممثلي الوفود المقدرين بخمسين شخصًا وانتهى المؤتمر المسائي بحصول الملك عبد العزيز على تأييد جماعي من العلماء وفصائل الإخوان الحاضرين بمواجهة تمرد قائدي الإخوان فيصل الدويش وبن بجاد ومن معهم.

المواجهة

بعد ذلك توالت الرسائل بين عبد العزيز وبين القائدين فيصل الدويش وابن بجاد إلا أن عبد العزيز كان رأيه واضحًا وهو إنهاء الأمر لصالحه، والذي تحقق له في معركة «السبلة» في 30 مارس 1929 حين دمر معظم جيش الإخوان، واستمر بعد هذه المعركة في مطاردتهم حتى استتب له الأمر.

في استغلال واضح وصريح للدين واختيار أبهى العبارات المنمقة والعاطفية التي تلعب على المشاعر الدينية للفرد كما رأينا في وقائع المؤتمر، كان عبد العزيز بن سعود يسُنُّ سنةً سيئة لأبنائه ويمرر لهم رسالة مفادها أننا لا نخضع للدين وإنما نستغل الدين لإخضاع الشعب لنا.

المصدر : ساسة بوست