باسل خرطبيل: في قائمة أفضل مبدعي العالم 2012 ومقتول على يد الأسد في 2015
باسل خرطبيل: في قائمة أفضل مبدعي العالم 2012 ومقتول على يد الأسد في 2015

تأكد بشكل كبير خبر إعدام المطوِّر والمبرمج الفلسطيني السوري، باسم خرطبيل صفدي، على يد قوات النظام السوري برئاسة بشَّار الأسد، هذا وِفق ما أكدته أرملته؛ نورا غازي الصفدي، والتي أعلنت، عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنها تلقَّت تأكيدات من عدد من النشطاء السوريين في مجال حقوق الإنسان بأن باسل قد تم إعدامه سرًا في سجون النظام، قبل عامين تقريبًا من الآن.

وكتبت غازي على صفحتها الشخصية: «تغص الكلمات في فمي، وأنا أعلن اليوم باسمي واسم عائلة باسل وعائلتي، تأكيدي لخبر صدور حكم إعدام وتنفيذه بحق زوجي باسل خرطبيل صفدي بعد أيام من نقله من سجن عدرا في تشرين الأول 2015.. نهاية تليق ببطل مثله».

من هو باسل خرطبيل؟

باسل خرطبيل هو مهندس تقني ومطِّوِّر برمجيات مفتوحة المصدر فلسطيني سوري، وكان أيضًا أحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وخاصةً فيما يخص الحق في المعرفة وحرية تداول المعلومات، والذي على أساسه عمل طويلًا من أجل نشر مفهوم المشاع الإبداعي. وُلد خرطبيل في العاصمة السورية دمشق في 22 مايو (آيار) 1981.

نشاط الصفدي بدأ من قبل الانتفاضة السورية في 2011؛ حيث عمل بلا كلل من أجل توسيع نطاق وصول الشعب السوري عبر شبكة الإنترنت، ومحاولة فتح سوريا على العالم، وتوثيق وتوصيل المعلومات لهم، خاصةً في ظل التكتم والرقابة على المعلومات من قِبل النظام السوري، مما يُسهِّل عمليات الظلم والفساد والنهب وانتهاك حقوق الإنسان.


عمِل باسل من أجل تحقيق مبدأ الحق في المعرفة، الذي يعتبر أحد حقوق الإنسان بحسب الأمم المتحدة، وطبقًا للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي صدر عام 1948؛ تنص المادة على أن:»لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودون اعتبار للحدود«، بحسب الترجمة العربية الرسمية للأمم المتحدة.

المهندس الحقوقي المبدع الذي خسره العالم

طرق الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن حرية تداول المعلومات، والحق في المعرفة، تنوعت لدى باسل خرطبيل؛ فقد أسس عدة مبادرات، وشارك في أخرى، محلية وإقليمية ودولية، من أجل توصيل المعلومة إلى الشعب السوري؛ وكانت البداية من مبادرة آيكي لاب، والتي شارك في تأسيسها خرطبيل بجانب عدد من أصدقائه الفنانين، والمهندسين، والمصممين، والعلماء، والمخترعين، وهي مبادرة تعاونية تقنية وفنية، تأسست في دمشق، وتعمل في مجالات مختلفة كالإبداع، والبحث، والتطوير والتوجيه، والتعليم، والفنون.

علاقة خرطبيل بآيكي لاب لم تتوقف عند مشاركته في تأسيسها، بل عمل فيها أيضًا في منصب المدير التنفيذي للتكنولوجيا، وهو نفس المنصب الذي شغله أيضًا في مؤسسة أوس للنشر، وهي مؤسسة ثقافية تهدف لإطلاق وإنجاز مشاريع ثقافية وفكرية في سبيل إحياء التراث السوري؛ الفني، والعمراني، والأثري، والشعبي، عبر العصور، باعتباره تراثًا عالميًا وإنسانيًا ووطنيًا في آن واحد، بحسب تعريف المؤسسة.


براعة المهندس السوري الفلسطيني جعلت منه أساسًا فيما يخص المشروعات التقنية المختلفة في المنطقة العربية أو في سوريا على الأخص؛ فقد كان أحد القائمين على أحد المشروعات الرئيسة التي قامت بها موسوعة المعلومات الشهيرة، ويكيبيديا، في سوريا، حيث عمل في المشروع من أجل تدعيم مصطلح المشاع الإبداعي، وتوفيره للعامة، كما شارك في عدة مشروعات أخرى مع عدد من كبرى المؤسسات والشركات التقنية العالمية، كموزيلا فايرفوكس، وأوبن كليب آرت، وفابريكاتورز، وفونت لايبراري، وغيرهم، في تدعيم مفهوم مشاركة المعلومات والمصادر المفتوحة.

حاول إصلاح ما أفسده  «تنظيم الدولة».. ولكن أبى نظام الأسد

لم يكن باسل خرطبيل مجرد ناشط في التقنيات والحريات الرقمية فقط، بل أيضًا عمل على التركيز والربط بين هذه التقنيات، وبين الفنون والآثار والمعمار، ولذلك، فقد أنشأ مشروع تدمُر الجديدة، الذي كان أساسه إصلاح ما أفسده تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة تدمُر السورية، ولكن يبدو أن النظام السوري أبى أن يحدث ذلك.

وبالرغم من ذلك، فقد استمر خرطبيل في العمل في المشروع من داخل السجن عبر التواصل مع رفقائه خارجه، وذلك من أجل إعادة إعمال المدينة التي قام تنظيم الدولة بتدميرها، وتدمير مواقعها الأثرية العريقة منذ عام 2015.

مشروع تدمُر الجديدة هو مشروع معماري رقمي، يجمع المعلومات من شركاء دوليين، ويحللها، ويقوم بإعادة بناء مدينة تدمر في الفضاء الافتراضي، ويتيح النماذج والمعلومات للجميع، أي أنهم يستخدمون أدوات رقمية للحفاظ على مواقع التراث.


وكان المشروع قائمًا على التطوير الثقافي؛ فيقوم باستضافة ورش عمل مباشرة مع الأفراد المختلفين، من أجل بناء شبكة من الفنانين والتقنيين والأثريين والمعماريين وآخرين للبحث وبناء النماذج وإبداع الأعمال الفنية، وقد نظَّم المشروع عدد من المعارض في المتاحف والمعاهد في جميع أنحاء العالم، وذلك من أجل الاحتفال بالإرث الثقافي في سوريا والعالم من ناحية ثقافية ومعمارية.

المشروع أيضًا عمل بالتعاون مع عدد من الشركاء الدوليين، على تزويد بيانات أثرية وتاريخية للمجتمع، وذلك عبر تنظيم معارض وصالونات وأعمال إبداعية باستعمال هذه البيانات لتقديم تاريخ مدينة تدمر الغني للأجيال القادمة.

من «أفضل 100 مبدع في العالم» عام 2012

تكللت أعمال المبدع السوري، باسل خرطبيل، بعدد من الجوائز الدولية والعالمية، ربما يكون أبرزها هو ذلك اللقب الذي منحته مجلة فورين بوليسي الأمريكية العريقة، والتي تصدر كل شهرين؛ حيث منحت باسل خرطبيل، إلى جانب السورية الأخرى ريما دالي، الدخول في قائمة
أفضل مبدعي العالم لعام 2012؛ حيث احتلا سويًا المركز الـ19 في قائمة أفضل 100 مبدع في العالم لهذا العام.

كان باسل جنبًا إلى جنب عدد من أبرز قادة العالم، مثل باراك أوباما، وأنجيلا ميركل، في القائمة، بل متفوقًا على بعضهم أيضًا. بالوقــت نفسه لم يكن بشار الأسد نفسه في القائمة، أو حتى مرْ بها من قبل.

ووصفت فورين بوليسي في تقريرها، باسل خرطبيل، وريما دالي، من أحد أبرز الأصوات الشجاعة في سوريا؛ حيث يعملان على تشجيع الثورة السلمية بلا عنف، بالوقــت الذي ينتشر فيه الغضب والفوضى والفتنة الطائفية في سوريا.

صورة لريما دالي. مصدر الصورة: موقع حكايات سورية ما انحكت

وتحدَّثت المجلة أيضًا عما فعله صفدي، ودالي، من إنجازات؛ فبداية من ريما دالي، المحامية المتطوعة في مؤسسة الهلال الأحمر السوري، التي خرجت بمفردها إلى شوارع دمشق لترفع لافتة تحمل عبارة »أوقفوا القتل«مبينة أنها تسعى لبناء دولة لجميع السوريين. بالوقــت نفسه الذي وصفت فيه المجلة، المهندس البارع، باسل خرطبيل، أنه هو من ينسب له الفضل في دمج المجتمع السوري عبر شبكة الإنترنت، مؤكدة حينها دعمها للصفدي، والذي كان قد اعتُقل من قِبل قوات الأسد.

وكان، خرطبيل، قد نال عددًا من الجوائز الأخرى؛ حيث فاز بجائزة الحريات الرقمية لعام 2013، والتي تمنحها مؤسسة مؤشر الرقابة على حرية الإنترنت، بالإضافة إلى تلقيه عرضًا من أكبر معهد للتكنولوجيا في العالم؛ معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، من أجل العمل في فريقه البحثي.


الجدير بالذكر، أنه بعد أن بدأت الثورة أصبح عمله أكثر أهمية؛ حيث مدَّ العالم والناشطين بأدوات للاتصال وبث الأخبار من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعية؛ مما دفع البرلمان الأوروبي لذكر باسل خرطبيل عام 2014 قائلًا: إن الفضل في فتح شبكة الإنترنت في سوريا وتوسيع نطاق النفاذ والمعرفة للشعب السوري على نطاق واسع، يعود إلى خرطبيل.

اقرأ أيضًا: تعرَّف إلى ترتيب بلدك في مؤشر حرية الإنترنت لعام 2016

عاش لحرية المعلومات وحجبت معلومة إعدامه

اعتقل باسل صفدي من قبل فرع الأمن العسكري قم 2015 في حي المزة بدمشق، وذلك يوم 15 مارس (آذار) 2012، وكانت الحكومة السورية قد اتهمت خرطبيل قبل اعتقاله بإضرار الأمن العام وتهديده؛ وذلك نظرًا لعمله على تعزيز حرية تداول المعلومات، وتعزيز نطاق التوصيل عبر شبكة الإنترنت للشعب السوري، مما أغضب النظام بقيدة بشَّار الأسد؛ الذي سعى لاعتقال خرطبيل في الذكرى السنوية الأولى للانتفاضة السورية، وهو اليوم الذي خرجت فيه مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في دمشق؛ حيث كان يمكث باسل.

في أواخر العام نفسه، وتحديدًا في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2012، قُدِّم باسل للمحاكمة بدون وجود أي محامٍ، وذلك في جلسة أمام المدعي العام العسكري، ليُحكم عليه، بعد محاكمة عسكرية، بالسجن إلى أجل غير مُسمى، ويمكث في سجن عدرا بدمشق؛ حيث بقي حتى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عندما تمكن من إبلاغ عائلته بأنه سوف ينقل إلى مكان لم يتم الكشف عنه، ومنذ ذلك الوقت ظل مكان وجوده مجهولًا.

وعلى مدى العامين والنصف التاليين، نادى عدد لا يُحصى من الناشطين، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية والإقليمية، وغيرها من المنظمات غير الربحية، ومنظمات المجتمع المدني، وحتى الصحافة الدولية، بالإضافة إلى المواطنين العاديين، بالإفراج عن المهندس البارع السوري الفلسطيني، باسل خرطبيل، وذلك عبر حملة تضامنية عالمية للإفراج عن باسل، قبل أن تُنادي الحملة بالإفصاح عن مكانه، بعدما انقطعت عنه الأخبار والزيارات، بينه وبين عائلته.

الحملة العالمية للإفراج عن باسل أطلقت صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، وتويتر، مطلقين وسم (هاشتاج) #الحرية_لباسل باللغة العربية والإنجليزية. المنظمات الدولية التي شاركت في الحملة من ضمنها منظمة العفو الدولية، وموزيلا فايرفوكس، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، ومؤسسة المشاع الإبداعي، وغيرهم.

من جانبه، أعلن فريق الأمم المتحدة المعني، في 21 إبريل (نيسان) 2015، أن احتجاز باسل يعتبر احتجازًا تعسفيًا، ويعد انتهاكًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، داعيًا السلطات السورية للإفراج عنه فورًا.

(قمة المشاع الإبداعي عام 2015 وعرض لقضية باسل خرطبيل)

الجدير بالذكر، أنه في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ترددت شائعات بإعدام باسل خرطبيل، ولكن لم يكن يعلم أحد حينها أننا لن نتأكد من هذه المعلومة إلا بعد حوالي عامين من هذه الشائعات.

وكانت نورا غازي، الناشطة في حقوق الإنسان، والتي كانت من المفترض زواجها بباسل بعد أسبوعين من تاريخ اعتقاله في عام 2012، ولكن عُقد الزواج داخل سجن عدرا في أوائل يناير (كانون الثاني) من عام 2013، لتواصل نورا حملتها من أجل السعي للإفراج عن زوجها، قبل أن تعلن من ساعات تأكدها من خبر إعدامه بعد نقله من سجن عدرا بأيام في أواخر عام 2015.

وقد انهالت التنديدات الدولية والمحلية حول إعدام المهندس المبدع، والذي اعتُقل، وتمت محاكمته وإعدامه بطريقة غير قانونية، بعد حكم أمام حاكم عسكري.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت بيانًا على لسان آنا نيستات، المدير العام للبحوث في المنظمة، لتؤكد فيه شعور المنظمة بالأسى والغضب العميقين لسماع هذا الخبر المحزن، مؤكدةً أن باسل خرطبيل سيبقى في الذاكرة، على الدوام، كرمز للشجاعة ومناضل سلمي من أجل الحرية حتى النهاية.

وأضافت نيستات: «إن وفاة باسل خرطبيل تذكير مفعم بالأسى لنا بالأهوال التي تشهدها السجون السورية كل يوم؛ فعشرات الآلاف من الأشخاص الذين يقبعون حالًيا وراء القضبان في مرافق الاعتقال التابعة للحكومة السورية يواجهون التعذيب وسوء المعاملة والإعدام خارج نطاق القضاء، وهذه الأفعال القاسية ترقى دون شك إلى مرتبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

اقرأ أيضًا: ماذا يفعل معتقلو النظام السوري في يومهم كي يبقوا على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة؟

وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 400 ألف شخص قتلوا في الحرب السورية حتى الآن، وذلك وفقًا للأمم المتحدة، وتشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن هناك أكثر من 65 ألف شخص مختف في سجون النظام السوري؛ فلا يعلم أحد إن كانوا قد لقوا نفس مصير باسل، أم أنهم أحياء يعانون من التعذيب، وسوء المعاملة، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.

المصدر : ساسة بوست